كيف تصبح الرياضة عادة متأصلة في حياتك؟ الجزء الأول: اجعلها واضحة

كم مرة عبرت الرياضة كفكرة ضئيلة صغيرة لعقلك ثم تناوشتها أفكار اقوى لأشياء أكثر أهمية فهربت ولم تعد أو عادت ولكن صغيرة هزيلة كما هي ليتكرر ما يحدث في كل مرة؟ ما الفرق بين الرياضة كفكرة ومشاهدة التلفاز أو الخروج مع أصدقائك أو أيًا كان من الأفعال التي كانت أفكار ذات مرة لاقت استحسانك وتحولت لأفعال تمارسها يوميًا؟  ما الذي يجعل بعض الأشياء تبقى على شكل أفكار أو حتى أمنيات حبيسة في عقولنا بينما أشياء كثيرة أخرى أصبحت جزء لا يتجزأ من روتين حياتنا؟

تعد نفسك بأنك ستبدأ بممارسة الرياضة بداية العام الجديد أو الشهر القادم أو الأسبوع القادم وربما تبدأ بالفعل ثم بوووم تشعر بالتعب والضغط وتقنع نفسك بأن لا جدوى من المحاولة ويصيبك الإحباط لأنك لم تستطع الصمود أكثر لتعود من جديد لنقطة الصفر وكأنك تدور في حلقة لا تعرف لها بداية من نهاية.

بداية أحب أن اطمئنك عزيزي القارئ لأنك لست وحدك أنا وكثيرون غيري مثلك تمامًا تأتينا أفكار التغيير و نبدأ ثم نتوقف عند نقطة معينة – كثير من الدراسات أثبتت بأن ٨٠٪ ممن يتحمسون ويضعون لأنفسهم قرارات مع بداية العام يتوقفون عن الالتزام بها في ثاني أسبوع من شهر فبراير- هنالك بالتأكيد عنصر مفقود في هذه المعادلة والتي تبدو للوهلة الأولى بأنها مستحيلة الحل والوقت كما قد يتبادر لذهنك بالتأكيد ليس العنصر الذي تفقده فدائمًا ما نلقي اللوم على الوقت ونعامله كالمجرم المُدان بتهمة فوات كل الفرص وبقاء كل الأفكار حبيسة العقول والأنفس في حين أنك قد تجد الوقت لمشاهدة التلفاز وإنهاء سلسلة من الأفلام مثلًا دون أن تشعر بضيق الوقت المزعوم هذا ما يجعلني أؤكد عليك مرة أخرى بأن الوقت ليس المجرم هنا. قبل فترة بسيطة قرأت كتاب رائع بعنوان العادات الذرية لكاتبه جيمس كلير والذي قلب عقلي رأسًا على عقب وجعلني أصرخ بأني وجدته -أعني المجرم الحقيقي والعنصر المفقود- نعم وجدته إنه العادة

دعني ألفت انتباهك قليلًا للعادة وقوتها المذهلة وقدرتها على تحريكك دون وعي منك. نحن نكرر ٤٠٪ من سلوكياتنا يوميًا بفعل العادة التي تأصلت بداخلنا وشكلت وجودنا بدون أن نشعر هذا يعني أن أي فعل ما إن يتحول لعادة حتى يصبح تكراره أمرًا سهلًا لا يتطلب الكثير من الوعي أو الجهد. نأتي هنا للسؤال المهم كيف نحول الرياضة لعادة متأصلة في حياتنا؟

  • حلقة العادات

أي عادة لتتشكل يجب أن تمر بحلقة عصبية مكوّنة من أربع خطوات أطلق عليها علماء النفس اسم “حلقة العادات أو Habits Loop” وهي عبارة عن المستثير، الرغبة، الاستجابة، المكافأة. هذه الخطوات عند تكرارها تكوّن ربطًا بين شيء معين وردة فعلك تجاهه وما يخلفه من أثر -مكافأة- في نفسك كصوت أزيز هاتفك المحمول يشعرك برسالة جديدة – مستثير- تريد أن تعرف محتوى الرسالة – رغبة في إشباع فضولك- تمسك بالهاتف لتفتح الرسالة -استجابة- هذه الاستجابة اشبعت فضولك في معرفة محتوى الرسالة -مكافأة- فتتكوّن نتيجة تكرار هذه الحلقة العصبية عادة امساك الهاتف في كل تسمع أزيزه. يقول كلير في الكتاب بأن هذه الحلقة العصبية تعمل في كل لحظة من لحظات حياتنا فالدماغ يقوم بمسح البيئة المحيطة بنا طوال الوقت ليتنبأ بما سيحدث ويقوم بتجربة استجابات مختلفة وبناءً على نتائجها يشكل هذه الحلقات العصبية التي تكون العادات المحتملة.  

  • قوانين تغيير السلوك الأربع

قام كلير بوضع هذه الحلقة العصبية في إطار عملي بسيط مكون من أربع قوانين سهلة التطبيق يمكننا استخدامها لتبني أي عادة جديدة.

القانون الأول: اجعلها واضحة -المستثيرات-

الأشياء التي تثير بداخلنا الرغبة لشيء ما متعددة منها ما هو مرتبط بمكان أو زمان معين ومنها ما يكون مرتبط بحالتنا العاطفية أو مدى قربنا أو بعدنا عن هذا الشيء أو حتى الأحداث التي قد تسبق سلوك معين. سأركز هنا على المكان والزمان بصفتهما أكثر المستثيرات تأثيرًا علينا ذكر الكاتب بعض الاستراتيجيات التي قد تجعل الموضوع أكثر وضوحًا، منها: 

  • نية التنفيذ

نية التنفيذ مصطلح أطلقه الباحثون على الخطة التي تضعها مسبقًا بشأن وقت ومكان فعل ما مستغلة بذلك النوعان الأهم من أنواع المستثيرات -الزماني والمكاني- فقيامك بتحديد الوقت والمكان الذي ستقوم فيه بممارسة الرياضة من خلال كتابتك لذلك في قائمة مهامك اليومية سيزيل أي فكرة ضبابية عنها وتصبح واضحة أمامك وضمن ما ستقوم به اليوم، مثلًا ( سأقوم بممارسة رياضة الجري لمدة ربع ساعة في باحة المنزل الخلفية في تمام الساعة الخامسة عصرًا) وعند تكرارك لرياضة الجري في تمام الساعة الخامسة ستكوّن ربطًا ذهنيًا بين هذا الوقت ورياضة الجري وستجد بأن هذا الوقت من اليوم يثير لديك الرغبة في ممارسة هذه الرياضة.

  • تكديس العادات

في الحقيقة وعند قراءتي للكتاب وجدت بأنني استخدم هذه الطريقة في حياتي كثيرًا وقد تكون تستخدمها أنت كذلك دون وعي منك، وهي أن تقوم بربط عادة حالية تقوم بفعلها يوميًا بالسلوك الذي تريد أن إدخاله في حياتك بما يُعرف بمصطلح تكديس العادات مثلًا بعد عودتي من الدوام سأذهب للنادي الرياضي لمدة ساعة. أو بعد صنع طعام الغداء سأمارس الرياضة لمدة نصف ساعة وهكذا قم بربط أي عادة حالية مع ممارسة الرياضة لتصبح واضحة ومحددة.

  • صمم بيئك

للبيئة التي تحيط بك مفعول السحر على أفعالك تستطيع عند معرفتك بقوتها استغلالها في صالحك بحيث تصمم المكان بطريقة تناسب أهدافك وتساعدك على الإنجاز. ببساطة اجعل محيطك يذكرك بالرياضة باستمرار كيف يكون ذلك؟ أخرج ملابس الرياضة وضعها على الكرسي أمامك حتى تراها عند استيقاظك من النوم لتزيد حماسك للبدء بالتمرين احجز موعدًا مسبقًا على تطبيق كريم أو أوبر ليأتي ويقلك للنادي في ساعة محددة من اليوم.

أثبتت دراسات أجريت مؤخرًا أن نطاق الانتباه الذهني للأفراد “Attention Span” تقلص وذلك لكثرة المعلومات في عصرنا فحاولت أن أقسم الموضوع على أجزاء منفصلة علني أوفق في جذب انتباهك للقراءة حتى آخر سطر في كل تدوينة. آمل أنني نجحت في ذلك اليوم على الأقل. سأقوم بالكتابة عن بقية القوانين في التدوينة القادمة بإذن الله.
إلى المرة القادمة أتمنى لكل من مر من هنا أيام مليئة بالحركة والبركة