من أوراق القبعة السحرية للأكل الواعي وتحمّل المسؤولية – ثلاث عادات غذائية جوهرية

عندما يسألني أحدهم عن أفضل الأنظمة الغذائية التي أنصح باتباعها و أجيب بعدم وجود شيء من هذا القبيل أرى تعابير وجه مصدوم وحائر، وأعلم بأن إجابتي هذه تطرد العديد من العملاء المحتملين وتنفض اخر ذرات غبار الاهتمام الذي كونوه تجاهي. ببساطة لأن أغلب الناس يتوقعون مني اخراج ورقة التعليمات الصارمة من قبعتي السحرية والتي ستحل لهم مشاكلهم الغذائية دفعة واحدة وللأبد – هذا إن حدث ووجدت ورقة التعليمات وانحلت مشاكلهم وهو ما لا يحدث في كثير من الأوقات بالمناسبة- لطالما واجهتني مواقف مع العديد من اللواتي بدأن أنظمة غذائية وبدأت النتائج المبهرة بالظهور بعد شهور من الالتزام بها غير أنه ما إن تقرر الواحدة منهن العودة للأكل بالشكل الطبيعي الذي اعتادت عليه طوال حياتها حتى تعود كل الكيلوات التي نزلت مضاعفة أضعافًا كثيرة، هل نستطيع تسمية النظام الغذائي الذي كانت تتبعه بأنه الأفضل، على الرغم من النتائج التي حصلت عليها عند اتباعه فترة زمنية محددة؟ لا أعتقد. في مقطع على اليوتيوب للمدرب دان جون ناقش فكرة رسخت في ذهني ومن خلالها استطعت تكوين تصوري الخاص للنظام الغذائي الأفضل، يقول فيها فيما معنى حديثه لا تنتهي الحكاية بعد أخذنا لصورة “قبل” و “بعد” فهناك صورة ثالثة يُسميها دان “ما بعد البعد” و يقصد هنا قدرة الشخص على المحافظة على النتائج التي وصل إليها من اتباعه للنظام الغذائي الفلاني، هل استطاع ذلك؟ مرة أخرى لا أعتقد ذلك بالنسبة للسواد الأعظم على الأقل.


ماذا نأكل هو السؤال المفضل لدى غالبية الناس، إلا أن سر النجاح الحقيقي لأي نظام غذائي يكمن باعتقادي ليس فيما نأكله بل كيف نأكله. الكيفية دائمًا ما تأتي قبل النوعية، وعندما نتحدث عن الأنظمة الغذائية علينا امتلاك استراتيجيات واضحة قبل اختيار نوعية الأطعمة التي ستملأ أطباقنا، لماذا يكون الأمر بهذه الأهمية؟ لأننا لا نعيش الحياة على ورق، واتباعنا لنظام غذائي مكتوب على ورقة لن يحل محل امتلاكنا لعلاقة صحية ومتزنة مع الأكل، كل الأكل من أنواع الحلويات المفضلة إلى أنواع الخضراوات الكريهة غير المستساغة للغالبية العظمى. بناء هذا النوع من العلاقات الصحية مع الأكل يعني استمرارنا في تناوله باعتدال ما يجعل الصورة الثالثة كما يسميها دان “ما بعد البعد ” ممكنة إلى حد كبير وهنا يكون النجاح الحقيقي للنظام الغذائي.

من “القواعد” للأكل الواعي وتحمّل المسؤولية
” العادة مُعدية” كما يقول جيمس كلير في كتابه الشهير العادات الذرية، هذا يعني أن عادة جيدة ستكون سببًا في سلسلة عادات جيدة عديدة أخرى والعكس بالعكس، وحتى نتحرر من ثقافة اليويو دايت السائدة في مجتمع السيدات أكثر علينا توجيه تركيزنا للعادات التي نمارسها مع الأكل ونعمل على إصلاحها، ومن هنا يبدأ التغيير الدائم بإذن الله. ماذا لو بدلًا من اتباع قواعد الورقة الصارمة التي تنصح بتناول قطعتي توست و حبة بيضة مسلوقة على وجبة الإفطار بدأنا بالتعرّف على إشارات أجسامنا الفسيولوجية وتعلمنا الفرق ما بين الجوع والشبع وكيف نتمكن من تناول الأكل حد الشبع بدل التخمة؟ سنصبح عندها أكثر وعيًا بأجسامنا وسنتحمل مسؤولية ما نأكله ونبدأ في اختيار ما نأكله بطرق أكثر حكمة. تعلمت كل ذلك للمرة الأولى عند دراستي لكورس تعليمي من GGS Academy وبها أشعلوا ضوءًا باهرًا في عقلي ومنذ تلك اللحظة وأنا أحاول تطبيق ذلك مع نفسي وكل من يختارني للعمل معه على تحسين جودة حياته. العمل على خلق عادات أصيلة، جوهرية، مستدامة بدلًا من اتباع أنظمة غذائية صارمة سيفك أسرنا من كل ما يُعيقنا ويجعلنا نسير بأطنان من الأحمال المادية والنفسية كذلك.
سأتحدث هنا عن أهم ثلاث عادات غذائية كما ذُكرت في كتاب الكورس التعليمي الذي درسته.

العادة الأولى: الأكل ببطء
في عالم اعتاد الركض واللهث خلف الأشياء خشية فواتها يبدو البطء فضيلة وضرورة ملحّة لحياة أكثر اتزانًا. تحدثت عن هذه العادة في تدوينة لماذا نأكل وعدت لتأكيد أهميتها مرة أخرى هنا، أن نأكل ببطء يعني أن يزداد وعينا بما نتناول من طعام ونتعرف على ذائقتنا ونستمتع بما نأكل، ناهيكم عن تقوية شعورنا بالإشارات الجسدية كالجوع والشبع مما يساعدنا على تناول الكميات الصحيحة من الغذاء وبهذا نكون قادرين على التوقف عن الأكل متى شبعنا، الأمر المهم جدًا لخسارة الدهون.

قد يبدو الأكل ببطء بديهيًا للبعض إلا أنه تحديًا حقيقيًا لغالبية الناس، هنا بعض الخطوات البسيطة التي بإمكانكم البدء من عندها:
– وضع مؤقت عند تناول الوجبة لمعرفة الوقت المستغرق في تناولها في البداية بدون تغيير أي شيء في طريقة الأكل.
– بعد معرفة الوقت المستغرق في تناول الوجبة، لنقل على سبيل المثال قد يستغرق أحدنا ستة دقائق لتناول وجبة عندها نبدأ بوضع أهداف بسيطة جدًا كمحاولة تناول الوجبة في سبعة دقائق أو عشرة دقائق المرات القادمة.
– التوقف قليلًا أثناء تناول الوجبة وأخذ نفس. وضع الملعقة على الصحن، ملاحظة الطعام كيف يبدو شكله، ما هي رائحته، طعمه.
– تناول لقمة أصغر. جربوا تناول الطعام بملاعق وشوك أصغر كالمستخدمة مع أطباق الحلويات على سبيل المثال.
– مضغ الطعام ببطء حتى يتم تكسيره إلى قطع صغيرة جدًا يسهل هضمها.
– أخذ جرعات من الماء بين لُقيمات الطعام.
– مشاركة الطعام مع الأهل أو الأصدقاء وفتح مواضيع ممتعة وشيقة أثناء تناول الطعام!

العادة الثانية: التحقق من الجوع
معظم الناس لا تأكل عند الشعور الحقيقي بالجوع ولا تتوقف عند الشعور بالشبع أيضًا. في القرن الواحد والعشرون حيث كل ما حولنا يدعونا لتناول المزيد من الطعام بدءًا بالإعلانات التي تطاردنا في كل مكان انتهاءً بالتجمعات العائلية المتمحورة حول أطباق الحلويات والمعجنات يصبح من الصعب الاستماع للاشارات الجسدية والثقة بها، لكن تعلّم الاستماع لاشارات الجسد وتفسيرها والاستجابة لها بالطريقة الملائمة مهارة أساسية ستسهل علينا التعامل مع العديد من المواقف.
في البداية نحتاج للتفريق بين شيئين مختلفين تمامًا ويسهل الخلط بينهما وهما الجوع والشهية.
الجوع: حاجة فسيولوجية ( أحتاج للأكل )
الشهية: رغبة وغالبًا ما تكون مرتبطة بموقف كالتجمعات العائلية مثلًا أو شعور نفسي ( أرغب بالأكل )

الجوع حاجة
يحصل الجوع عندما يقوم الجسم بإرسال إشارات فسيولوجية تُعلمنا بحاجته للأكل. تأخذ تلك الإشارات أشكال متعددة كالشعور بفراغ أو عدم ارتياح في المعدة، صداع خفيف، عصافير البطن تبدأ بالزقزقة – كما هو التعبير الدارج في الأوساط العربية- طاقة منخفضة، تعب، رجفة، تشوش في الدماغ نتيجة لنزول سكر الدم.
وعلى الرغم من أن الجوع يُعبر عن حاجة فسيولوجية إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة الاستجابة له على الفور، فالجوع ليس حالة طارئة. نستطيع الصمود لأيام بدون تناول الطعام! تذكّرنا لهذه الحقيقة سيجعل تعاملنا مع إشارات الجوع التي تُرسلها أجسامنا مختلف تمامًا.

الشهية رغبة
عكس الجوع، محفزات الشهية خارجية كتواجد الأطعمة اللذيذة أمامنا، امتلاء المكان برائحة شهية، الإعلانات التي نتعرض لها. كما يمكن أن تتحفز شهيتنا للأكل من خلال أفكارنا أو مشاعرنا، مثل شعورنا برغبة في تناول الأكل عندما:
– نرغب في تشتيت أنفسنا عن أشياء/ مواقف معينة. يعمل الأكل هنا كمخدر.
– نرغب في تخفيف شعورنا بالملل، القلق، الحزن وغيرها من المشاعر المزعجة أو المؤلمة.
– نرغب في دوام لحظات السعادة التي نشعر بها.
– نشعر بالتعب أثناء السفر أو عند تغير مواعيد الدوام مثلًا.
وبالتأكيد أثناء المناسبات الاجتماعية التي قد تشكّل فيها أطباق الأطعمة المختلفة اغراءً تصعب مقاومته.
أما بالنسبة للنساء على وجه التحديد فالتغيرات الهرمونية خلال الشهر قد تسبب تغيرات في إشارات الجوع والرغبة بتناول الأكل.

قد يساعدنا طرح بعض الأسئلة على أنفسنا قبل تناول الأكل على التفريق ما بين رغبتنا وحاجتنا وقتها:
– هل أنا جائع للدرجة التي ستجعلني أتناول وجبة متكاملة كصدر دجاج وخضراوات؟ نعم، إذن هذا جوع.
– هل من الممكن أن يكون مجرد عطش؟ اشرب كوب من الماء.
– هل أنا متعب وبحاجة لاستراحة فقط؟ جرّب الاستلقاء وإغماض عينيك مدة خمس دقائق.
– هل أخذ خمسة عشر دقيقة راحة ستساعدني في التعرّف على حقيقة حاجتي للأكل أو رغبتي في شيء اخر؟ اخرج للمشي، تواصل مع شخص تحبه، اكتب في مفكرتك.
– ما الذي يحدث حولي؟ هل ثمة إشارات تحفزك لتناول الأكل على سبيل المثال، جدول مهام مزدحم، مشاعر مضطربة، مناسبة اجتماعية… الخ.
– هل احتاج للأكل، أرغب في الأكل، أو عليّ تناول الأكل لأنه وقت الغداء مثلًا؟

هذه العادة لا تناسب الأشخاص الذين يرغبون بزيادة وزنهم أو كتلتهم العضلية بل على العكس من ذلك هم بحاجة لتناول الطعام والكثير منه حتى يتمكنوا من تغطية احتياجهم اليومي الذي يتناسب مع أهدافهم.

العادة الثالثة: الأكل حتى الشبع
كما أن هناك فرق ما بين الجوع والشهية ثمة فرق ما بين الشبع والتخمة أيضًا. فالشبع هو حالة فسيولوجية يصل إليها الجسم عندما تبدأ المستقبلات الموجودة في الجهاز الهضمي مع المستقبلات الهرمونية كهرمون الإنسولين مع ارتفاع السكر في الدم يستشعر الجسم بأنه حصل على كفايته من الطعام ويبدأ بإرسال ذلك للدماغ. كلما تناولنا الوجبة ببطء كلما تمت هذه العملية بكفاءة أعلى. أما التخمة فهي قد تكون حالة فسيولوجية في بعض الأوقات مثل المرات التي نكثر فيها من تناول الأكل حتى تمتلئ معدتنا وتبدأ بالضغط على الرئتين، وقد تكون حالة نفسية. كالإكثار من تناول الأكل بغرض الإشباع العاطفي والعقلي، لأنهم يحاولون إملاء فراغ غير حقيقي فهذه الطريقة لا تصلح معهم أبدًا.

هنا بعض الخطوات التي ستساعدكم في التوقف عن تناول الأكل عند الشعور بالشبع:
– ممارسة ملاحظة إشارات الشبع كما تحدثنا في العادة الثانية.
– محاولة الأكل عند الشعور الخفيف إلى المعتدل بالجوع، لأن الوصول إلى مرحلة الجوع الشديد تعني تناول بسرعة أكبر ما يعني تناول كميات كبيرة دون إدراكنا لذلك.
– الابتعاد عن كل المشتتات أثناء تناول الوجبة. الأكل أمام شاشة التلفاز، أو ونحن نستخدم هواتفنا أو على الكمبيوتر سيؤدي للأكل دون وعي. الجلوس مع الوجبة بدون مشتتات سيسهل وعينا بإشارات الجسم والتوقف عند الشعور بالشبع.
– استخدام أطباق أصغر للتحكم بالكميات.
– التوقف والتلذذ بالطعام. وضع الملعقة ما بين اللُقم وملاحظة الطعم والرائحة يساعد في الحضور وتناول الوجبة بوعي واستمتاع أكبر.

مرة أخرى هذه العادة لا تصلح لمن يحاول زيادة وزنه أو كتلته العضلية.



أصل هنا لنهاية تدوينة اليوم. مع الأخذ بالاعتبار بعدم ضرورة اتباعها جميعها بل أنا على يقين بأن حتى اختيار واحدة فقط ومحاولة تطبيقها سيكون له أثر كبير على علاقتكم بالأكل.
جربوا احدى العادات المذكورة و شاركوني تجاربكم :)