في عالمنا الذي بات يحتفي بالتخصصات الدقيقة والنظر نظرة مايكروسكوبية لكل شيء، أصبح من الصعب علينا رؤية الصورة الكاملة للأشياء. يقول الطبيب النفسي جون ريتي: بأن ثقافتنا المعاصرة تُعامل الجسد والدماغ وكأنهما كيانين منفصلين عن بعضهما البعض. وفي كتابه Spark – الكتاب الذي أوصي بقراءته وبشدة- يُعيد الربط ما بين الإثنين.
يكتب دكتور ريتي جملة: العلم الثوري الجديد للرياضة والدماغ، كعنوان فرعي واصف لمحتوى الكتاب. حيث يقوم بالربط ما بين الجسد والنشاط البدني وتأثيره على الدماغ إلى درجة التخفيف من، أو حتى المساعدة في علاج العديد من الأمراض والاضطرابات النفسية. كانت قراءتي الأولى للكتاب منذ أكثر من سنتين، لم أكن أتخيل وقتها مدى تأثير الرياضة والنشاط البدني على الدماغ والصحة العقلية لهذه الدرجة الصادمة. ومن وقتها وأنا أعود لقراءة بعض أجزاءه من فترة لأخرى؛ لأن قراءة واحدة لكتاب كهذا لا تكفيني.
إحدى مشتركاتي التي أدرّبها لما يقارب السنة الآن، أرسلت لي رسالة بالأمس تخبرني برغبتها في التوقف عن ممارسة التمارين الرياضية لأنها تشعر بالضغط النفسي والجسدي، خاصة بعد اكتشافها خبر حملها المفاجئ. نفس هذه المشتركة أخبرتني في بداياتنا معًا بتشخيصها من قِبل الطبيب النفسي برُهاب المساحات المفتوحة ” آغورافوبيا” 1 وهو نوع من أنواع اضطرابات القلق. الطبيب -جزاه الله خير- اكتفى بوصف العلاج الدوائي لها دون أن يكلف نفسه عناء تشجيعها، أو حتى الإشارة لضرورة ممارسة الرياضة كنشاط بدني مساعد للتخفيف من أعراض القلق الذي تعاني منه. مثال مؤسف آخر على الفصل ما بين الجسد والدماغ.
الحلقة المفقودة
يقول دكتور ريتي بأنه في عام 2004 نشرت مجلة New England Journal of Medicine دراسة عن علاجات اضطراب القلق العام، شملت الدراسة ثلاثة عشر علاجًا دوائيًا، مع الإشارة لضرورة العلاج النفسي وممارسة تقنيات الإسترخاء، لكنها فشلت حتى في مجرد ذكر الرياضة كوسيلة إضافية مساعدة في علاج القلق.
وقد كانت جميع الثلاثة عشر دواءً التي شملتها الدراسة مصحوبة بقائمة طويلة من الآثار الجانبية المحتملة. ولم يُصادق أيًا منها من قِبل هيئة الغذا والدواء الأميركية كدواء آمن تمامًا أثناء فترة الحمل. يُعلّق دكتور ريتي بأنه ليس من المُستغرب إذن بأن النساء أكثر عرضة للإصابة بالقلق والاكتئاب من الرجال.
يذكر طبيبّي القلب كارل لافي وريتشارد مياني من مؤسسة أوشنر في نيو أورلينز، بأن الدراسات التي أجريت وناقشت اضطراب القلق العام وعلاجه بالأدوية والعلاج النفسي، لم تذكر الرياضة مطلقًا كعنصر إضافي مساعد، مع أنه قد ثبت بأن الرياضة تؤدي إلى خفض أعراض القلق بنسبة تزيد عن 50% مما يؤكد دور الرياضة الفعّال في التخفيف من القلق المزمن.
يبدو بأن البحوث المتزايدة حول الفوائد العصبية والنفسية للرياضة ما زالت مخفية في وضح النهار، مما يُطلق عليه دكتور ريتي عمى سريري غريب.
وهنا اتساءل، كيف كان سيختلف السيناريو لو أنه كان بالإمكان وصف الرياضة كحبة دوائية؟
لا استبعد أن تكون ثمة محاولات مستميتة من شركات الأدوية الكبرى لتصنيع مثل هذه الحبة.
أن تركض إلى الخوف وتعود ماشيًا للأمان: مواجهة مخاوفك
إذا كان الخوف حكمًا مؤبدًا كيف بإمكاننا التغلب على القلق؟ تكمن الإجابة كما يقول دكتور ريتي في العملية العصبية التي تُسمى إطفاء الخوف.
بينما لا يمكننا محو الذكرى المخيفة الأصلية، نستطيع استبدالها بأخرى آمنة والعمل على تقويتها. من خلال بناء مسارات عصبية موازية لتلك المرتبطة بالخوف، يكوّن الدماغ بديلًا آخر للاستجابة المتوقعة للقلق، متعلمًا من خلالها بأن كل شيء على ما يرام.
وعندما يتكوّن مسار جديد في الدماغ لتفسير الموقف بطريقة آمنة، يتم فصل الموقف أو الشيء الذي يُثير الخوف عن الاستجابة المعتادة له، مما يُضعف الرابط بينهما تدريجيًا. أي أن التعرّض للشيء الذي كان يُثير القلق في السابق لن يُحدث نفس ردة الفعل بعد الآن.
يقوم المعالجون النفسيون بالاستفادة من هذه العملية العصبية أثناء جلسات العلاج المعرفي السلوكي -التي أثبتت الدراسات بأنها فعّالة بقدر فاعلية مضادات الاكتئاب في علاج القلق- من خلال تعريض المريض لمصدر الخوف بجرعات صغيرة وبوجود المعالج، عندما يختبر الشخص الأعراض دون الشعور بالذعر، يمر الدماغ بعملية إعادة هيكلة معرفية من خلال بناء روابط في قشرة الفص الجبهي تساعد على تهدئة اللوزة الدماغية (Amygdala) 2 وتمنح الدماغ ذكرى جديدة عن هذا الشعور بالهدوء.
ننتقل من هنا، للجزء العبقري الذي شجعني لكتابة هذه التدوينة.
اكتشف عالم النفس والعدّاء كيث جونشغارد أن استخدام العلاج المعرفي السلوكي في سياق الرياضة يعطي نتائج قوية ومبهرة. في كتابه Conquering Depression and Anxiety through Exercise – التغلب على الاكتئاب والقلق من خلال الرياضة، يشرح استخدامه للجري كطريقة لإعادة الهيكلة المعرفية لعلاج رُهاب الساحات المفتوحة.
بعد تأكده من تكوين علاقة علاجية قوية مع مرضاه، يرافقهم لمرآب سيارات في أحد الأسواق خلال ساعات الصباح الباكر، حيث لا يوجد أحد في الجوار مما يشعرهم بالأمان بوجوده، ثم يجعلهم يقومون بعدة جولات من الجري القصير – ما نسميه في عالم الرياضة Sprint-
بعد تحديده للمسافة التي بإمكانهم قطعها قبل الشعور بالإرهاق، يبدأون الجري من عنده متجهين إلى البوابة الرئيسة للسوق.
الفكرة هي الوصول إلى ذروة النشوة الجسدية المصاحبة للمجهود البدني دون الشعور بالذعر. وفي أي لحظة يشعرون فيها ببداية حدوث نوبة هلع أثناء الجري بإمكانهم التوقف، والمشي نحوه مرة أخرى. يُعلق دكتور ريتي بقوله: إنهم يركضون تجاه الخوف ويعودون مشيًا إلى الأمان.
مع الاستمرار بتكرار التجربة ومرور الجلسات، يتغلب العديد منهم على قلقه، ويتمكّن من الدخول إلى السوق والتجوّل بداخله مدة أطول.
يقول دكتور جونشغارد: In essence it’s a matter of getting back on the horse that threw you.
أن تعود لركوب الخيل الذي رماك. واو! هذا الطبيب عبقري!!
هنا استذكر بيت الشعر الذي يقول فيه أبو نواس: دع عنك لومي فإن اللوم إغراءُ ودَاوِني بالتي كانت هي الداءُ.
تجاوز مخاوفك
يشارك دكتور ريتي عدة فوائد لممارسة الرياضة كوسيلة للتعامل مع القلق، سواء القلق بتعدد صوره في حياتنا اليومية أو القلق بوصفه اضطراب، وكيفية تأثيرها على كلٍ من الجسد والدماغ. في نقاط بسيطة:
- توفر إلهاءً.
تحريكك لجسدك وممارسة الرياضة يصرف انتباهك إلى شيء آخر. وقد أظهرت الدراسات أن الأشخاص القلقين يستجيبون بشكل جيد لأي نشاط يصرف انتباههم، مثل التأمل، تناول الغداء مع رفاقهم، أو قراءة مجلة. لكن التأثير المضاد للقلق الناتج عن الرياضة يدوم لفترة أطول ويمنح فوائد إضافية. - تقلل التوتر العضلي.
تعمل الرياضة كقاطع للدائرة بين الجسد والدماغ، فتوقف حلقة التغذية الراجعة السلبية التي تزيد القلق. في عام 1982، أجرى الباحث هيربرت دي فريز دراسة أظهرت أن الأشخاص القلقين لديهم نشاط مفرط في العضلات، وأن الرياضة تقلل هذا التوتر تمامًا كما تفعل الأدوية المهدئة. وقد أطلق على هذا التأثير اسم “التأثيرات المهدئة للرياضة”. تقليل توتر العضلات يقلل أيضًا من شعور القلق، وهو أمر مهم ليس فقط لعلاج نوبات القلق، بل لتقليل سمة القلق نفسها. - تبني موارد جديدة للدماغ.
الرياضة تزيد من مستويات السيروتونين والنورإبينفرين -هرمونات السعادة والطاقة- في اللحظة نفسها وعلى المدى الطويل. السيروتونين ينظّم إشارات الدماغ ويحسن أداء الفصّ الجبهي، مما يساعد على تهدئة اللوزة الدماغية (مركز الخوف). كما تزيد الرياضة من الناقل العصبي المثبط “GABA” ومن عامل النمو العصبي “BDNF”، وكلاهما يساعد في ترسيخ ذكريات وتجارب بديلة أكثر إيجابية وأمانًا. - تُعلّم الدماغ نتائج مختلفة.
أحد جوانب القلق ارتباطه بأعراض جسدية مشابهة لما يحدث أثناء ممارستنا للتمارين الهوائية أو تمارين المقاومة عالية الشدة والكثافة مثل سرعة ضربات القلب والتنفس، لكن الفارق هو السياق: أثناء التمرين تحدث هذه الأعراض الجسدية بناءً على اختيارك أنت. وبالتالي، يبدأ دماغك في ربط هذه الأعراض بشيء إيجابي وليس بالخطر. يمكنك اعتبارها “خدعة بيولوجية”: دماغك يتوقع الذعر، لكنه يتلقى تجربة إيجابية بدلاً من ذلك. - تكوّن مسارات عصبية جديدة.
من خلال تفعيل الجهاز العصبي الودي -المسؤول عن تهيئة الجسم للاستجابة لحالات الطوارئ أو التوتر، والمعروف باستجابة “الكر أو الفر”- أثناء ممارسة الرياضة، تتحرر من فخ الانتظار السلبي والقلق، وتمنع اللوزة الدماغية من إشعال دائرة الخوف من جديد. حين تتحرك وتستجيب بالنشاط البدني، تبدأ المعلومات بالتدفق عبر مسارات عصبية جديدة وأكثر أمانًا. بهذا، أنت تعيد برمجة نفسك لتتعلم واقعًا بديلًا أكثر هدوءًا. - تعزز المرونة النفسية.
تتعلم من خلال الرياضة كيف تتحكم في القلق دون أن يتحول إلى نوبة هلع، وتصبح أكثر قدرة على مواجهة المواقف المقلقة بثبات وثقة. - تُحررك
إذا شعرت بأنك “محبوس” -سواءً حرفيًا أو مجازيًا- فستشعر بقلق أكبر. الأشخاص القلقون يميلون إلى شلّ أنفسهم فيتكوّرون كما في وضعية الجنين، أو يبحثون عن مكان آمن للاختباء من العالم الخارجي.
المصابون برُهاب المساحات المفتوحة يشعرون بأنهم محاصرون، وفي الحقيقة فإن أي شكل من أشكال القلق يجعل الإنسان يشعر وكأنه عالق في فخ. والعلاج لذلك، هو التحرك: الخروج، الاستكشاف، التجوّل في الطبيعة. ممارسة النشاط البدني والحركة.
يقول دكتور ريتي: بأن الدمج ما بين العلاج الدوائي وممارسة الرياضة يعتبر طريقة رائعة وفعّالة، حيث يقوم الدواء بتوفير أمان فوري في حين تعمل الرياضة على معالجة جذور هذا القلق.
الرياضة، أداة أخرى في صندوق أدوات التعامل مع الحياة، وهي في متناول الجميع لأنها الوصفة العلاجية الوحيدة التي بإمكانك كتابتها لنفسك. سواءً كنت تعاني من اضطراب قلق مشخص طبيًا أو تعاني من القلق الذي تفرضه علينا ظروف الحياة المختلفة.
ختامًا، أشعر بالأسف والإحباط بسبب الرسالة التي تلقيتها من مشتركتي. الانسانة الرائعة، والطبيبة المجتهدة والمثابرة، والزوجة المتفانية، والأهم من كل ذلك، الأم القوية التي قالت لي في أول لقاء لنا سويةً: أريد أن أكون مثالًا للنشاط والقوة لأطفالي، لا أريدهم أن يكبروا وأنا الأم غير القادرة على مجاراتهم ومشاركتهم أعباء ومسرّات الحياة بجسد مليء بالصحة والعافية. أتمنى من أعماق قلبي أن يكون قرارها مجرد استراحة قصيرة لتعود بعدها لممارسة الرياضة لما تبقى من العمر، أما بالنسبة لدوري كمدربتها فسأكون بانتظارها متى ما قررت العودة، سعيدة ومُرحبة بها في أي وكل وقت.

التعليقات
ردان على “وَداوِني بالتي كانت هي الداءُ: كيف تخفف الرياضة من قلقك”
الحمدلله على نعمة الصحة والعافية والله يديمها علينا ونتمرن كل عمرنا .. أنا من الناس اللي عانيت من نوبات هلع من الطفولة إلى الان ولكن بعد ممارسة التمرين الشاق اللي على قولك دايم تمريني عالي الشدة هو اللي خففها عني بنسبه ٩٠٪ هذا غير تخفيف القلق والتوتر اللي عندي استجابة مزمنة له .. والحمدلله مبسوطة من اللي وصلت له وكل ماشدت علي الدنيا شديت الوزن وكسرت رقم جديد وعطيت قوتي الذهنية والبدنية له💪🏻❤️🩹
إعجابإعجاب
مقالة رائعة ومثرية جدًا جدًا بكل ما فيها من نقاط!!!
وفعلًا الرياضة كانت ومازلت اكثر ما يساعدني في التعامل مع مشاعر القلق المرهقة، بجانب انها تملئ وقتي وتلهيني بما يفيد الجسد والعقل في نفس الوقت.
شكرًا كوتش دانية على الأثر الجميل اللي تتركيه فينا، واتطلّع لتدويناتك الجديدة دايمًا❤️
إعجابإعجاب