الجرعة المناسبة من الألم: هل يجب علينا الاستمرار بالتمرين رغم الألم؟

سواء كنت شخص يمارس الرياضة لمدة زمنية طويلة نسبيًا، أو شخص بدأ بممارستها للتو فإن مرورك بتجربة الألم أمر لا مناص منه، إما بسبب تعرّضك للإصابة، أو أن تمرينًا معينًا أصبح مؤلمًا بشكل مفاجئ ودون أي سبب واضح، كأن تشعر بألم في كل مرة تقوم فيها بتأدية تمرين الديدلفت على سبيل المثال.

واحد من السيناريوهات الأكثر شيوعًا عند التعرّض لألم أسفل الظهر أثناء ممارسة تمرين الديدلفت هو الذهاب إلى المستشفى في محاولة لاكتشاف سبب هذا الألم، وهنا طبعًا يحدث ما يحدث غالبًا بعد الكشف وعمل الأشعات اللازمة – هذا في حال شد الدكتور حيله شوية- وبعد التشخيص يقوم بكتابة وصفة مرخيّات للعضلات مع الراحة التامة على السرير طبعًا! وبعدها يحوّل الحالة لعيادة العلاج الطبيعي. نتيجة لهذا يجد الكثير من الأشخاص أنفسهم في حلقة مفرغة مضطرين معها الاعتماد على عيادات العلاج الطبيعي، و مرخيّات العضلات، والراحة التامة، وفي حالات أخرى ممارسة رياضة السباحة لبقية العمر رغبة في تقوية العضلات وتحسين جودة الحياة، الأمر الذي لا يحدث للأسف، لأن نحنا ما نعيش في المسبح.

هذه السيناريوهات المحبطة عليها أن تتوقف!
وحتى تتوقف علينا في البدء اختيار الطبيب الذي نذهب إليه بعناية، بالعامية يعني دكتور يتمرّن ويرفع أوزان يا جماعة، ولنعرف ذلك علينا تطبيع فكرة سؤال الطبيب عمّا إذا كان يتمرّن ويشيل حديد أو لا؟

في موقف حصل معي شخصيًا عندما ذهبت للعيادة بعد تعرّضي للألم الشديد في أسفل الظهر أثناء ممارستي لتمريني، قام الطبيب بتشخيصي بانضغاط في الفقرات دون حتى فحص سريري! لا أريد مجرد تخيّل ما سيحدث لأحدهم لو أنه زار هذه العيادة وكشف عند هذا الطبيب.

تقول الدراسات بأن 80% من البالغين عمر الخمسين لديهم نوع من أنواع تآكل أقراص العمود الفقري، وأن 30% ممن في عمر العشرين لديهم بروز في الدسك.
يسمّي طبيب العلاج الطبيعي مايكل ماش هذه التغيرات التي تحدث في فقرات الظهر ( تجاعيد داخلية) ما يعني بأنها أمر طبيعي يحدث نتيجة عيشنا لحياتنا واستخدامنا لأجسادنا، وفي 90% من الحالات لا يستدعي القلق.

وحتى لا أُفهم بطريقة خاطئة، الرجوع إلى الأطباء أمر ضروري لاستبعاد العلامات الحمراء والتعرّف على الحالة الصحية أكثر. ما أنا ضده هو إخافة الناس من الحركة وإشعارهم بأنهم معطوبين وإفقادهم الأمل من أجسادهم وقدراتهم. وهذا السيناريو يتكرر بشكل كبير جدًا، قبل يومين أتتني إحداهن تبكي لأن الطبيب احبطها وأفقدها الأمل من ممارسة نوع التمارين التي تحبها!!

أعتقد بأنه حان وقت التوقف عن إخافة الناس من الحركة وممارسة الرياضة.


الراحة ليست الحل
لم تكن الراحة والتوقف عن ممارسة الرياضة يومًا هي الحل، لأن الألم جزء من الحياة بتفاوت درجة شدّته. من الآلام البسيطة المزعجة إلى الآلام الأكثر شدة والتي قد تؤثر على جودة الحياة.
خلق الله سبحانه وتعالى الجسم بهيئة لا تناسبها سوى الحركة، و إلا ما الحاجة لوجود المفاصل؟ تخيلوا معي مفاصل الأبواب التي لا تُستخدم لفترة زمنية طويلة ما الذي يحدث لها؟ تصدأ وتتصلب، هذا ما نفعله بأجسامنا و مفاصلنا حين نختار الراحة على الحركة. و لأشرح ذلك بطريقة علمية سأقول بأن النشاط البدني يحفّز عملية تُسمى ( النقل الميكانيكي ) المسؤولة عن نقل القوى الميكانيكية من أجل تحفيز العمليات الخلوية و تسريع تعافي الأنسجة.

ينقسم الناس عند تعرّضهم للألم إلى قسمين:
واحد: من يختار الراحة التامة، وهذا ما يُضعف العضلات ويقلل من معنوياتهم، كما يجعل احتمالية عودتهم للحركة والنشاط البدني أقل.
اثنين: من يتبنى عقلية ( No pain no gain ) ويستمر بالضغط على نفسه رغم الألم، ويمارس تمارينه بنفس الشدة إلى أن ينهار جسده تمامًا مما يزيد الأمر سوء.

الجرعة المناسبة من الألم
تجربة الألم صعبة وفي مرات عديدة تُشعر الإنسان بالإحباط والخوف أفهم ذلك، لكن الاستسلام لهذا الألم قد يكون في كثير من الحالات أصعب وأشد.
ما يفعله العديد من الناس بعد تجربة الألم حال عودتهم للتمرين هو تجنّب التمارين التي تسبب الألم تمامًا، فيجدون أنفسهم يدورون في دائرة من الألم المستمر وثبات الأداء وعدم رؤية تحسّن حقيقي من ممارسة الرياضة. و ليتغير ذلك نحن بحاجة لتعريض الجسد للجرعة المناسبة من الألم، جرعة أقل من المطلوب كما توضح الصورة أدناه لن يحصل معها تكيّف للجسم ولا تحسّن في مستوى الألم.

 الرسمة للمدرب Tony Gentilcore أخذت الصورة أثناء مشاهدتي Sleep and Recovery Summit 2023

طالما تم استبعاد العلامات الحمراء، وبما أن الألم الذي نتحدث عنه في سياق التمارين الرياضية من ألم أسفل الظهر أثناء تأدية الديدلفت، لألم الكتف مع تمارين معينة، أو الركبة مع السكوات، فإن كل ما نحتاجه في البداية هو تعريض الجسم للتمرين المؤلم بجرعة مناسبة حتى ندفعه للتكيّف والتأقلم مع التمرين. ولكي نحدد هذه الجرعة يمكننا استخدام مقياس مستوى الألم. حفظًا للحقوق فقد تعلمت هذه الطريقة من مدربي Tony Gentilcore و بدأت باستخدامها مع متدرباتي. تقول هذه الطريقة من مقياس 1-10 حيث يكون واحد ألم لا يكاد يُذكر، وعشرة ألم شديد بحاجة تدخل طبي عاجل.

1-3 ألم مزعج ومحتمل، لا يستدعي التوقف عن التمرين، لكنه موجود.
4-5 ألم يصعب تجاهله، وهنا نبدأ بالتعديل على نسخة التمرين، نقلل المدى الحركي، أو العدات والجولات.
6-10 ألم لا يُحتمل، نتوقف عن أداء التمرين تمامًا، ونستبدله بنسخة أخرى شبيهة و تمرّن نفس العضلات دون إثارة الألم.

يمكننا اعتبار 1-5 الجرعة المناسبة من الألم، أما إذا كانت أعلى من ذلك فطريقة التعامل معها يختلف تمامًا.

ولنأخذ تمرين الديدلفت كمثال عملي على ذلك.
لنفترض بأن شدة الألم وصلت إلى 8 في مقياس الألم، نتوقف حينها عن أداء التمرين تمامًا، و نبدأ في توظيف تمارين أخرى من نفس النمط الحركي ( الفصل الوركي – Hip Hinge) لكنها لا تضع ضغطًا عاليًا على أسفل الظهر كما يفعل الديدلفت، كتمرين Hip Thrust, Glute Bridge، نستخدم تمارين عازلة لتقوية الظهر وعضلات الحوض الخلفية مع استبعادنا للتمرين تمامًا لفترة زمنية كافية تساعد على زيادة قدرة تحمّل الأنسجة قبل العودة للتمرين الذي يسبب الألم.

عند العودة للتمرين مرة أخرى نستخدم الطرق المذكورة أدناه قبل الوصول لنفس مستوى الشدة والكثافة التي كانت قبل الألم بأمان بإذن الله.
– تقليل المدى الحركي: كاستخدام تمرين Block Pull كمدخل مناسب للتمرين.
– تقليل سرعة التمرين Tempo: لزيادة الوعي بحركة الجسم والسيطرة على الوضعية بشكل أفضل.
– التعديل على الوضعية: توسعة القدمين أو اليدين أكثر أو تضييقها بحسب استجابة الجسم وردة فعله.
– تقليل كثافة وشدة التمرين: تقليل الأوزان والعدات والجولات.

قد لا تُعتبر الطريقة الأمثل للاستخدام، لأن فكرتها تعتمد أساسًا على مدى قدرة الشخص على الوعي بجسمه و التعرّف على إشاراته، لكن إلى حد ما يمكن الإعتماد عليها كأداة أخرى من أدوات التعامل مع الألم بدلًا من نشر الخوف من الحركة والتوقف تمامًا، وفي حالات كثيرة جدًا جدًا ومن واقع تجربتي الشخصية تنفع!
صحيح بأن إحتمالية مبالغة البعض في تقدير نسبة الألم الذي يشعرون به موجودة والعكس كذلك موجود، إلا أن الاستمرار بالتجربة والممارسة سيساعد في التعرّف على إشارات الجسم وفعل التغييرات اللازمة مع الوقت.

توجد دائمًا طرق آمنة نتحرك بها ونساعد أجسادنا على تخطي الألم، والراحة ليست أحدها أبدًا، ومع اسلوب الحياة الكسول وإمكانية الوصول لكل ما نريد بضغطة زر واحدة أصبح لزامًا علينا أكثر من أي وقت سابق أن نتحرك، ولأن قدرتنا على استخدام أجسادنا نعمة عظيمة و تحريكنا لها هي بلا شك إحدى طرق شكر هذه النعمة. نتحرك طالما نستطيع وبالقدر الذي نستطيع.

تساؤل خارج عن النص
في طريقي إلى النادي أحيانًا يراودني تساؤل ساخر: ماذا كان سيقول أسلافنا لو علموا بأننا خصصنا أماكن محددة للحركة تأخذ شكل النوادي الرياضية؟ هم المعتادون على تسّلق الجبال والعيش في الغابات والبحث عن قوت يومهم باستخدام أجسادهم. أتخيلهم واضعين أيديهم على رؤوسهم و “يصوّطوا” على طريقة إخواننا المصريين يا لهووووي! وأضحك. 

التعليقات

ردان على “الجرعة المناسبة من الألم: هل يجب علينا الاستمرار بالتمرين رغم الألم؟”

  1. صورة أفاتار ريناد✨.
    ريناد✨.

    الله يعطيك العافية يا كوتش دانية عالمدونة والاسلوب المبسط في طرح الموضوع..

    سار معايا نفس الموقف مع الدكاترة لكن بظروف مختلفة، لمن عرفت اني حامل كنت قاطعة عن التمرين فترة وكل ما اسال الدكاترة عن النادي ينصحوني ابعد عن التمارين وانه انا اتحمل المسؤولية لو سار في حملي شيء،  لكن اخر الحمل فجاة ينصحوا بالسكوات ف كنت ماشاءالله اسوي عدات كتير للسكوات مع المشي..ف لمن جاتني ولادة ماشاءالله ما حسيت بالالم اللي اسمع فيه، فاتوقع ومتاكدة انه التمارين هيا السبب بعد الله..بس ارادة الله ينزل نبض الجنين لاني بعدها طولت ف حولوني عملية، ودحين دخلت في موضوع لا تتمرني عشان العملية 

    إعجاب

  2. صورة أفاتار wesalbu

    The body is always adaptable
    If you treat it like glass ,it will fragile like glass and if your treat it like steel ,It becomes stronger .
    They said “ Motion is lotion and rest is rust “🫥

    Thanks Dania
    Aya

    إعجاب