لم أكن أعلم مدى صعوبة مهنتي، ولا الكم الهائل من التواصل البشري الذي تتطلبه، وأتساءل مرات عمّا سأفعله لو كنت على علم مُسبق بما سأقحم نفسي فيه. هل كنت سأسلك هذا الطريق؟ أنا الشخصية الانطوائية التي تغيّر طريقها وتحاول الاختباء – رغم صعوبة الأمر في المساحات المفتوحة لنادينا- ما أن ترى تجمّع المشتركات للحديث وتبادل تجاربهن الرياضية الفريدة من نوعها، لأنه يصعب عليها الانسجام وسط الجماعة، وتفضل الجلوس مع كتابها بدل الذهاب إلى اللقاءات والمناسبات الاجتماعية. لا يصدقني من حولي حين أعلن عن حقيقتي الانطوائية.
– أما من جد ما أصدق. دانية انتي مدربة!!
طبعًا وكما تعلمون مسبقًا فإن أكثر جملة أكرهها في حياتي هي “انتِ مدربة” التي تُقال وكأني شخص خارق للطبيعة البشرية الضعيفة في أصلها.
أنا في إجازة سنوية، استمتع بوقت الفراغ و الفضاوة بعد تفعيلي لمود ( أكل ومرعى وقلة صنعة ) Guilt Free، التي أقولها لمديرتي في كل مرة تحاول مشاكستي بقولها: لا دانية ما اتعودت عليكي وانتي فاضية كذا!
الإجازة التي طال انتظارها واحتاج مني الحصول عليها كثير من الجهد والمطالبات، لضغوط عملي التي لا تنتهي.
لم أكن أعلم مدى صعوبة مهنتي، ولا الأفكار المغلوطة الكثيرة والأحكام المسبقة العديدة في أذهان غالبية الناس المترسخة عنها، وأنني وجدت نفسي واقعة فيما يشبه المحاكمة المستمرة لكل ما أقوم به، هذه المحاكمة غير المُنصفة التي لا تسمح للمُدان الدفاع عن نفسه، تُشعرني في كثير من الأحيان بأني مضغوطة داخل عينة إحدى شرائح المجهر الطبي الذي يستخدم في المختبرات.
الموضوع صعب ومعقد و مُحبط في آن.
لذا دعني عزيزي القارئ ومن منبر هذه المدونة المتواضعة -التي لا يتجاوز حجمها في أحسن الأحوال مقاس شاشة جهازك المحمول- البدء في الدفاع عن نفسي، وإيضاح اللبس الحاصل فيما يخص مهنتي، من خلال تسليط الضوء على الأدوار العديدة التي لا تنفصل عن دوري الأساسي كمدربة. هذه الأدوار المختبئة في الظل مما لا يعلمها إلا من خاض تجربة التدريب بإشراف مدرب رياضي، تجعل غالبية الناس تعتقد بأن المدرب عبارة عن مضخة تمارين؛ بخلفية من قوائم التمارين الرياضية الطويلة اللامنتهية، ومهمته الأساسية هي تحفيزك و دفعك لبذل المزيد من الجهد، وفي بعض الحالات إخراجك من النادي زحفًا لشدة التمرين، الشيء الذي أفعله عندما يتطلب الأمر ذلك *ضحكة شريرة على طريقة عيّلم الشرير*
لا أنكر وجود هذا الجزء من دوري كمدربة، لكنه ليس الجزء الأساسي ولا أظنه يتجاوز العشرة بالمئة فقط، بالإضافة لكونه دور تبرّعت بممارسته تطبيقات التمارين الرياضية و”الشات جي بي تي” والانستغرام والتيك توك.*1 يحزنني اعتقاد غالبية الناس هذا، وأتذكر موقفًا حدث لي مع إحداهن في محاولتها للتقليل من شأن كل ما أقوم به قائلة: أنا أقدر أدخل على التيك توك وأتعلم كل حاجة وأتمرن كل حاجة بدون لا مدرب ولا ###!
المضحك في الأمر كون هذه “الفيلسوفة” طبيبة نساء وولادة.
لا أفهم كيف يسمح الكثير من الأشخاص لأنفسهم بالتقليل من شأننا، رغم كوننا خط الدفاع الأول والجانب الوقائي الأهم في حياة الناس.
أرسلت لي احدى المشتركات ريل على انستقرام مضحك -لشدة واقعيته- عن الأدوار المتعددة التي يجد المدرب نفسه يمارسها، فقط لأنه مدرب ؛) يمكنكم مشاهدته هنا. *2
أضيف إليها في هذه التدوينة خمسة أدوار أخرى وهي:
١. مُعلّم
المدرب الجيد لا يكتفي بإعطاءك التمارين فحسب، بل يذهب خطوة أبعد بتعليمك “لماذا” المختبئة خلف التمارين. هذا الجزء المهم من الجلسة الرياضية يساعدك على تنمية حس الاستقلالية لديك مما يساعد في تمكينك ويزيد ثقتك بنفسك ويرفع احتمالية استمرارك. هذا بالإضافة طبعًا لتعليمك التكنيكات الرياضية الصحيحة، واختيار التمارين المناسبة لحالتك.
٢. مُرشد
مدربك لن يخوض رحلتك عنك إلا أنه سيوجّهك ويرشدك خلال الطريق، يمكنك اعتباره الكشاف الذي يضيء لك الطريق ليسهل عليك الوصول لوجهتك، لأنه سبق أن مرّ من هنا، وساعد الكثيرين على المرور كذلك.
٣. حلّال مشاكل
لديه القدرة على رؤية المشاكل التي تعاني منها، وما يمكن أن يتسبب في مشاكل مستقبلية بفضل علمه وخبرته في المجال؛ ما يجعله قادرًا على مساعدتك في التعامل مع مشكلاتك الحالية بالشكل المناسب، وتقليل احتمالية ظهور مشاكل مستقبلية بإذن الله.
٤. شخص يؤمن بك
عندما يأتي أحدهم لطلب المساعدة منّا كمدربين فهو يأتي بعدما فقد الأمل في الوصول لهدفه، وكأنه بقدومه يطلب الأمل الذي فقده. يمتلك المدرب الجيد رؤية لما يمكن أن تصل إليه وما تستطيع تحقيقه. على خلافك، مدربك يرى قدراتك الكامنة ونقاط قوتك وسيتأكد من إظهارها لك.
المدرب الجيد ببساطة شخص يؤمن بك حينما لا تؤمن بنفسك.
٥. صديق
سيعرف اسم قطتك المفضلة، فلمك المفضل، هواياتك، وستجد نفسك تتحدث معه عن آخر الأماكن التي زرتها وعن مخاوفك وتجاربك المختلفة، وسيكون موجودًا متى احتجته، يحفزك ويشاركك لحظاتك السعيدة والحزينة؛ مع مراعاة الحدود المهنية بالطبع ؛) بمعنى أنه صديقك الذي يتحدث معك ويعرف عنك الكثير في حدود تفاعلكم خلال الجلسات.
نسيت أقول معالج نفسي كمان؟ في أحد المرات قالت لي إحدى المشتركات بأن ثاني أفضل وظيفة مناسبة لكِ ستكون أخصائية نفسية، ضحكت وقتها وتعجبت من الأدوار العديدة التي يرونها فينا ويتوقعونها منّا.
وفي اعتقادي بأن تعدد الأدوار هذا يأتي كمحصّلة للعلاقة التي تتكون ما بين المدرب والمتدرب، والتي تميّز ممارسة الرياضة مع مدرب عن القيام بذلك عبر وسيط رقمي يتوقف الأمر معه عند الملف الذي يُكتب بداخله بلوك التمرين الشهري، ويستحيل معه التفاعل الإنساني وعيش التجربة بكل ما تحمله العلاقات الإنسانية من جوانب مختلفة، وفرص تعلّم عديدة.
