على شاطئ السيف بمدينة جدة أجلس على كرسي أمام البحر الممتد إلى ما لا نهاية، أشاهد بنات أختي الصغيرات يطرطشن الماء في البحر ويلعبن مستمتعات. يقف بجانبهن فتى صغير يتناول الحصى من قاع الشاطئ القريب من أقدامه، يأخذ لفّة كاملة بجسمه قبل رميها بعيدًا في البحر، مكوّنًا بذلك تموّجات دائرية تكبر لتتسع المسافة بينها والحصى. استرجع عند رؤيتي للمشهد مفهومًا قرأت عنه و تعلّمته في إحدى الدورات التعليمية التي لا يحضرني اسمها الآن.
يشبهه المدربون بتأثير التموّجات – The Ripple Effect. الذي يعني ببساطة أن مسبب هذه التموّجات الدائرية الكبيرة والبعيدة التي نراها هو شيء أكثر قربًا، كرمزية تقول بأن أي خلل صغير في إحدى المناطق المركزية في الجسم – الأكتاف، الجذع ” الكور”، الحوض -, يسبب تموّجات تكبر وتتسع؛ لتظهر كالآم في مناطق أبعد. يستخدمون هذا التشبيه بغية شرح وتقريب فكرة معقّدة، تقول:
Proximal Stability Creates Distal Mobility
بمعنى أن ثبات المركز يخلق حركة أفضل في أطراف الجسم، والمقصود بمركز الجسم كما ذكرت بالأعلى المناطق التالية: الأكتاف، الجذع ” الكور”، الحوض. وعكس ذلك يعني أنه كلما كانت مراكز الجسم أقل ثباتًا، ظهرت المشاكل في المفاصل الأكثر بعدًا عن المركز. فعندما يشتكي أحدهم من ألم في الركبة على سبيل المثال علينا النظر وتقييم الحوض ومدى ثباته، ولو كان الألم في مفصل المرفق فالمسبب لذلك الألم في أغلب الأحوال هو الكتف، وقيسوا على ذلك.
مفهوم التعويض – Compensation
يعمل الجسم كنظام متكامل ووحدة واحدة مرتبطة ببعضها البعض من أعلى الرأس إلى أخمص القدمين. ويأتي مفهوم التعويض هنا عند قيام عضلة أو مجموعة عضلات بوظيفة مجموعة أخرى في الجسم, مما يُحدث خللًا في التوازن الطبيعي في هذا النظام المتكامل، البديع الباهر الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، ما يجعل منطقة من الجسم تعمل بدلًا من منطقة أخرى؛ كتعويض عن الخلل الحاصل. عضلة ضعيفة لا تستطيع أداء وظيفتها بكفاءة تعوّض عنها عضلة أخرى وبهذا تزيد شدة توتر العضلة مع مرور الوقت، لأنها تقوم بأكثر مما يجب عليها القيام به، مما يعني تعرضها للكثير من إصابات كثرة الاستخدام والآلام المختلفة.
الاتجاهات الحركية الثلاثة – The Planes of Motion

الاتجاهات الحركية هي مصطلح يُستخدم لوصف الاتجاه أو المسار الذي تتحرك فيه أجزاء الجسم أو المفاصل أثناء الحركات المختلفة.
وعشان نبسّطها أكثر ممكن نتخيل بأن هنالك أسطح وهمية تقسّم الجسم وكل سطح يوضح نوع معين من الحركة. فبدل من أن تكون الحركة عشوائية، تأتي هذه الطريقة لتنظيمها وتسهيل تحليلها.
وهذه الفكرة تساعدنا في عدة أشياء من ضمنها:
– معرفة الاتجاه الذي يتحرك فيه الجسم.
– فهم الحركة بشكل علمي، يساعدنا على توزيع التمارين بشكل متوازن ما بين جميع الاتجاهات الحركية. عشان ما يكون تدريبك في اتجاه واحد.
– تحليل التمارين، ومعرفة أسباب الإصابات في حالات كثيرة جدًا جدًا.
الاتجاه السهمي – Sagittal Plane

الاتجاه الذي يقسم الجسم إلى اليمين واليسار، والحركات فيه تكون إلى الأمام والخلف، فوق وتحت، مثل: المشي، السكوات، اللانج إلى الأمام أو الخلف وغيرها من التمارين المختلفة.
الاتجاه الجبهي – Frontal Plane

أما هذا الاتجاه فهو يقسم الجسم إلى نصف أمامي ونصف خلفي، والحركات تكون فيه جانبية، مثل: القفز الجانبي كتمرين Jumping Jack، Side Lunges وأي تمارين أخرى يتحرك فيها الجسم إلى الجانبين.
الاتجاه العرضي/ الأفقي – Transverse Plane

ينقسم الجسم في هذا الاتجاه إلى جزء علوي وسفلي، والحركات فيه تكون دورانية/ لف، مثل: لف الجذع إلى اليمين واليسار، دوران الكتف، تمارين كـ Russian Twist, Cable Chops وغيرها من التمارين الأخرى.
كيف يكون كل ما سبق ذكره مرتبطًا بعنوان تدوينة اليوم؟
شكل فقرات الظهر
تختلف حركة فقرات العمود الفقري في الاتجاهات الحركية بناءً على تركيبها التشريحي ووظيفتها، فكل منطقة تمتلك قدرة مختلفة على أداء الحركات من حيث التمدد والانثناء في الاتجاه السهمي، والميل الجانبي في الاتجاه الجبهي، والدوران في الاتجاه العرضي/ الأفقي. بطريقة أبسط نقدر نقول بأن فقرات الظهر مصممة بحيث تتحمل كل مجموعة منها نوع حركة معين.
الفقرات الصدرية العلوية

يوضح تصميم هذه الفقرات قدرتها الممتازة على الدوران في الاتجاه العرضي/الأفقي. ودورها الأساسي يساعد الجسم في:
– لف الجذع.
– الحركات الدورانية للجزء العلوي من الجسم.
الفقرات الصدرية السفلية

ممتازة جدًا في الحركة بالاتجاه الجبهي، حيث تساعد الجسم في الحركة ناحية اليمين واليسار.
الفقرات القطنية ( أسفل الظهر )

قوية في الانثناء والتمدد للخلف والأمام من خلال الاتجاه الحركي السهمي، لكن دورانها محدود جدًا، ووظيفتها الأساسية هي:
– الانحناء للأمام والخلف.
– تحمّل الوزن.
– تثبيت الجسم.
وتأتي أهمية توزيع الحركة بهذه الطريقة، كون الجسم مصمم بطريقة تسمح لكل جزء منه تحمّل نوع حركة معينة، فلو على سبيل المثال فقدت إحدى هذه الأجزاء قدرتها على الحركة في الاتجاه المناسب لها، كأن تفقد الفقرات الصدرية العلوية مرونتها ويصبح من الصعب تحريكها حركة دورانية يأتي حينها مفهوم التعويض الذي شرحته بالأعلى، ويحدث ما يلي:
– يقوم الجسم بالتعويض.
– تتحرك منطقة أخرى حركة لا تناسبها وبشكل زائد عن الحد المحتمل، وغالبًا ما يتم هذا التعويض من خلال الفقرات القطنية، وهنا تبدأ الإصابات والآلام.
كيف يحدث ذلك من ناحية ميكانيكية تشريحية؟
قوة القص في الفقرات القطنية – Shear Force
المقصود بها القوة التي تدفع الفقرات بحيث تنزلق فوق بعضها البعض بشكل أفقي بدلًا من أن يكون الضغط فيها عمودي ومتوازن. ما يعني بأنها تتحرك في اتجاه حركي لا يناسبها، لأنه وكما قلنا شكل فقراتها يسمح فقط بالثبات وتحمل الوزن من خلال الانثناء للأمام والخلف في الاتجاه السهمي أكثر من السماح بالدوران/ اللف.
فبدلًا من أن يأخذ الشخص حركة اللف من الفقرات الصدرية يقوم بأخذها من الفقرات القطنية، لأن فقراته الصدرية غير مرّنة ولا مدرّبة للتحرك بالشكل المناسب. وبذلك يتسبب بالكثير من المشاكل لأسفل الظهر. ولأن الفقرات هناك لا تسمح بالدوران بحرية ستبدأ بالتحرك حركة غير مناسبة مما ينتج عن ذلك ضغط جانبي وانزلاق في الفقرات ما يولد قوة القص أو Shear Force.
الدوران والالتفاف عليه أن يأتي من الفقرات الصدرية ومفصل الحوض لا من الفقرات القطنية، ولذلك وفي العديد من الحالات عندما تأتي إحداهن تشتكي من فقراتها القطنية ننظر لمركز الجسم ونقوم بتقييمه وتحديد الأماكن التي يعوّض عنها أسفل الظهر ونقوم بمعالجتها.
الفقرات الصدرية العلوية وتمارين لزيادة المدى الحركي
الفقرات الصدرية من أكثر الأماكن أهمية لحماية أسفل الظهر وللأسف تعتبر من الأكثر إهمالًا عند كتابة البرنامج الرياضي، وزيادة المدى الحركي في هذه الفقرات سيساعد كثيرًا في تخفيف الحِمل على أسفل الظهر، وإعطاءه بعض المساحة للتحرك بالطريقة التي تناسب شكل فقراته.
بالأسفل بعض التمارين التي تساعد على ذلك.
تمرين ممتاز كبداية والجلوس بهذه الطريقة يثبت أسفل الظهر ويمنعه من الحركة لكي يسمح بأخذ الحركة من الفقرات الصدرية فقط.
يشبه التمرين أعلاه مع إضافة الإسطوانة الاسفنجية التي ستساعد في السماح بمدى حركي أعلى.
يُعتبر هذا التمرين كنقلة تطويرية للأداء، ووضع الاسطوانة ما بين الركبة والجدار يثبت أسفل الظهر، وهذه نقطة مهمة جدًا ودائمًا.
وكالعادة وكقاعدة عامة إن أردنا تحسين المدى الحركي بشكل أفضل وأكثر ديمومة علينا زيادة الحِمل بإضافة المقاومة الخارجية.
بالعامية أقول: تبغى تشوف تطور حقيقي وملموس في المدى الحركي لأي مفصل في الجسم: LOAD IT. LOAD IT!!!!!!!!!
إضافة حبال المقاومة أو حتى الأوزان، أو استخدام الكيبل أيضًا على تمارين إلتفاف فقرات الظهر الصدرية يقوّيها ويحسن المدى الحركي بشكل ممتاز.
عند استخدام حبال المقاومة في تمارين كهذا علينا التأكد من سحب الحبل بواسطة الفقرات الصدرية لا سحبه باستخدام اليد التي تُمسك به. أحب تشبيه الأمر بتخيّل اليد كخطاف يثبت الحبل فقط بينما يقوم الظهر بالحركة الفعلية، ستلاحظون عند فعل ذلك بأن المدى الحركي سيكون قصير جدًا، لأن الالتفاف إن أُخذ من المكان الصحيح فعلًا دون تعويض سواءً من أسفل الظهر أو باستخدام اليدين لن يكون مداه الحركي طويل.
أما بالنسبة لتصميم البرنامج الرياضي فيمكنكم تضمينها في برامجكم الرياضية أثناء التسخين مثلًا، أو كتمرين داعم أثناء فترة الراحة ما بين التمارين الأساسية. قوموا بإختيار تمرين واحد أو أثنين كحد أقصى خلال البلوك الشهري. أما بالنسبة للعدات والجولات المقترحة فهي تتراوح ما بين جولتين لثلاثة، من خمسة لثمانية عدات في الجولة.
شكرًا لقراءتكم الكريمة، شاركوني تجاربكم واسئلتكم في التعليقات.


