أجلس للكتابة وأنا أفكر في كل الأشياء الأخرى التي عليّ فعلها. تنتظرني قائمة طويلة بالمهام المؤجلة التي يختار عقلي هذه اللحظة كأنسب الأوقات لإتمامها، وأنا على يقين تام بأنها حيلة أخرى من الحيل التي يمارسها معي ما إن أجلس لتنفيذ احدى مهام القائمة التي أطلق عليها ( تحديات مجدية ) وهنا أتذكر جملة علقت في مخي من محاضرة للطبيب النفسي جوردن بيترسون يقول فيها: Don’t practice what you don’t want to become أي لا تمارس ما لا تريد أن تصبحه، يختار قول هذه الجملة بالتحديد لأنه يعلم بالعلم والمراس السطوة التي يمارسها علينا العقل وكيف بإمكانه جعلنا في العديد من الأوقات رهن لحيله كما لا يمكن لأحدنا أن يتخيل. على نقيض قائمة المهام الأولى ثمة قائمة أخرى أطلق عليها قائمة ( التحديات المخادعة ) وكيفية ترتيبي لمهامي، وأي مهام القائمتين تطغى على يومي أو حتى اسبوعي، يحدد بشكل كبير جدوى أيامي و أسابيعي، وما إذا كانت خطواتي تأخذني تجاه هدفي أو أنها مجرد إلهاء وتشتيت وطريقة أخرى من طرق إرضاء الضمير.
كيف تكون مهامك اليومية تحديات مجدية وطريقة للوصول إلى أهدافك؟
تغيرت طريقة ترتيبي لمهامي بشكل جذري وأصبحت أكثر إدراكًا للحيل العقلية في هذا الجانب من إن بدأت في دراسة كورس التغذية من Precision Nutrition – وهم بالمناسبة من أفضل مصادر التغذية التي تجدونها على الانترنت، يمكنكم تصفح موقعهم والإطلاع على محتواهم التعليمي الثري في حال اهتمامكم- هم يفرّقون بين نوعين من المهام يطلقون عليها ( الصعبة – الصعبة وهي ما أخترت تسميتها بالتحديات المجدية ) ومهام (صعبة – سهلة وهي ما أسميتها تحديات مخادعة ) فما الفرق بينها؟
تحديات مخادعة
يعرّفونها على أنها الأشياء التي نقوم بها والتي عادة ما تكون صعبة، ومزعجة، وأحيانًا مرهقة، لكنها معتادة أو لنقل بأنها الألم المألوف، من أمثلتها:
– أن تكون مشغولًا طوال الوقت.
– أن تبدأ نظام غذائي آخر.
– الشعور بالإرهاق والعجلة بسبب جدول مهامك المزحوم.
– الشعور بالتشتت والضياع والرغبة بترك كل شيء والانسحاب لكثرة مطالبك وتوقعاتك اليومية من نفسك.
– الشعور بالذنب لعدم تمكنك من تأدية كل مهام الجدول المزحوم مما يجعلك تشعر بالغضب والإحراج من أفكار كالفشل والإخفاق.
– ممارسة تمرين رياضي بجهد خرافي.
– جلد الذات.
تحديات مجدية
وتعرف على أنها الأشياء التي نقوم بها والتي تكون غير مريحة، وصعبة كذلك بل قد تكون أحيانًا مرعبة، لكنها تعزز نمونا وتقرّبنا خطوة أخرى تجاه النسخة التي نود حقًا أن نكونها، وهي غالبًا ما لا نتوقعه “صعبًا ” على سبيل المثال:
– تخفيف السرعة والحضور في اللحظات اليومية، ما يعني التركيز واليقظة الحقيقية.
– تحديد الأولويات بعناية والقيام بما يهم حقًا، وتكرار ذلك كل يوم وعلى مدى زمن طويل.
– التركيز واتباع خطة مدروسة باستمرار وعلى مدى زمني طويل.
– ملاحظة المشاعر والأفكار والجلوس لتأملها وتفكيكها.
– امتلاك عقلية النمو – وهي ما سأتحدث عنه في تدوينة منفصلة يومًا ما بإذن الله – والشعور بالراحة مع الأخطاء وعدم اليقين.
– أخذ أيام راحة من التمرين أو العمل.
– التعاطف مع الذات.
قد تبدو القائمة أعلاه سهلة في البداية لكن ممارستها والالتزام بها يعد تحد حقيقي. فالتركيز واتباع خطة معينة لمدة زمنية طويلة أصعب مما قد نظن أحيانًا.
كيف نحدد ما يشكل تحديًا مجديًا لنا؟
لا تقتصر المهام على القوائم المذكورة في الأعلى فقط بل ويختلف شكلها بحسب حياة وظروف كل منّا. بالنظر إلى أنشطتنا اليومية وما نود تحقيقه سنستطيع التعرّف على ما يشكل تحد مجد لنا وما يشغلنا ويلهينا. احدى الطرق التي ستساعد في ذلك هو طرحنا على أنفسنا لأسئلة من قبيل هل من الممكن تحويل وقتي وطاقتي وانتباهي لما يمثل تحديًا ولكنه مجز، بعيدًا عن الأنشطة التي تستنزف طاقتي وتستهلك وقتي دون أي مقابل حقيقي؟
قد يبدو خروجنا من دائرة الراحة مرهقًا ومزعجًا غير أنه الطريقة الحقيقية لنمونا وتحقيقنا لإنجازات تعنينا فعلًا. وكما قلنا بالأعلى ثمة آلام مألوفة وعادة لا تسمن ولا تغني من جوع، وأخرى مؤلمة لكنها مثمرة.
ذهابنا اليومي لعمل نكرهه، الاهتمام بمشاعر واحتياجات الجميع باستثناء أنفسنا، القيام بتمارين رياضية شاقة ومن ثم التعرض للإصابة كلها تمثّل تحديات مؤلمة، لكنها في الحقيقة لا معنى لها ولن نتعلم منها ولن نصل بها إلى أي مكان حقيقي. في المقابل خروجنا من دائرة الراحة، تجربتنا لشيء جديد ومختلف، طلب المساعدة، هي التحديات التي يتجنبها معظمنا للأسف، لأن النمو الداخلي والعقلي عمل شاق.
كيف نستطيع التفريق بينهما؟
يختلف الأمر من شخص لآخر، فإذا كنتم من الأشخاص الذين يجلدون ذاتهم باستمرار ويحاسبون أنفسهم بقسوة قد تكون مهمة التعاطف مع الذات هي تحديكم المجدي، أما إذا كنتم من الأشخاص أصحاب عقلية ” كل شيء أو لا شيء” فإن القيام بما يهم حقًا أو القيام بعمل أقل قد تكون تحديكم المجدي.
يستخدم الخبراء في Precision Nutrition مجموعة من الأسئلة التي تساعدنا من خلال اجابتنا عليها في:
– وضع أهداف واقعية.
– التركيز على ما يهم فعلًا.
– أخذ خطوات فعلية تجاه الأهداف المهمة.
من تلك الأسئلة:
– مما تخاف؟
– ما الشيء الذي تتجنبه عادة؟
– ما هو الشيء غير المريح بالنسبة لك لكنه سيغير مسار حياتك للأفضل؟
– ما عكس الطريقة التي تتعامل بها مع مشاكلك عادة؟
بوصولكم لهذه النقطة من قراءة التدوينة بإمكاني تخمين قدرتكم على التفريق بين النوعين من التحديات وتكوين قوائمكم الخاصة بالتحديات المجدية والمخادعة. اعطوا الأمر تجربة!
جلوسي لكتابة هذه التدوينة هو أحد التحديات المجدية في حياتي لأنه يأخذني خطوة تجاه الهدف الذي أرمي إليه وفي كل مرة أجلس فيها للكتابة تهطل سحائب عقلي بمهام رهيبة من تنظيف للمطبخ، مرورًا بإنهاء قراءة الرواية على طاولة مكتبي بحجة اثراء حصيلتي اللغوية لكتابة تدوينتي بسلاسة أكبر -لاحظوا الخدعة هنا-، إلى غسيل الملابس، وتفريغ مشاعري وآلامي على الورق بعيدًا عن التدوين العملي. لا أقول بأني أنجح في كل مرة بالسيطرة على الأمور والقيام بما يهم و يجدي فعلًا، لكني بت أكثر إدراكًا لهذه الحيل والمراوغات الذهنية مما ساعدني في التعامل معها بشكل أفضل.
في المرة القادمة التي تقومون فيها بوضع مهامكم اليومية اسألوا أنفسكم الأسئلة التالية:
– ما هي تحدياتكم المخادعة؟
كما قلنا من قبل، هي التحديات المزعجة، الألم المألوف، ويشبه الأمر دوران الهامستر في عجلة لن تجعله يصل إلى أي مكان.
– ما هي تحدياتكم المجدية؟
الأمور التي لطالما تجنبتموها، لكنها أمور عليكم مواجهتها والبدء بفعلها، كالالتزام بنظام غذائي لمدة طويلة وتحويله لإسلوب حياة، أو ممارسة الرياضة وتكرار الأنماط الحركية نفسها لنصل إلى أهدافنا طويلة الأمد.
– ما الذي يمكنكم فعله في خمس دقائق؟
ما هي المهمة التي ستأخذ منكم خمس دقائق فقط، لكنها تشكل تحديًا مجديًا وخطوة أخرى تجاه أهدافكم؟
أعطوا الأمر محاولة وشاركوني تجاربكم.
أقدّر كذلك مشاركتكم للتدوينة مع المهتمين في محيطكم.

أضف تعليق