عشوائيات/ تأملات مدربة تكتب



التوازن حقيقة أم مغالطة؟
أفعل العديد من الأشياء في الوقت ذاته. ليس اختيارًا ولا رغبة وإنما “مجبرٌ أخاك لا بطل” قائمة ما يجب إنجازه لا تتوقف عن التكاثر وأنا لا أتوقف عن تقمّص دور الأخطبوط. دور لا يناسبني ولا أحبه غير أنه مفروض عليَّ لأسباب كثيرة، منها المهني، الشخصي، العائلي، الاجتماعي… إلخ وفي كل مرة أجدني أسيرة إحدى هذه الأدوار المزيفة ينتابني القلق ولا أجد مفر من ذلك سوى البحث عن التوازن. أقوم بالتدرّب على التوازن هذه الفترة من أجل إحدى حصص شركة ليزملز الجماعية الشهيرة – BodyBalance- التي أقدمها في النادي، حيث أقف على قدم واحدة و احرّك كامل جسمي.

تتمكن الكثير من المشتركات متابعة حركة جسمي على إيقاع موسيقا ليزملز المميزة والوقوف على قدم واحدة. أفكر حال رؤيتي لذلك بأن جميعنا يستطيع ذلك، أعني التوازن -بمعناه المعنوي- لدقائق معدودة، لساعات، أو ربما لأيام لكن، ليس لمدى الحياة. التوازن حالة تجيء وتذهب لا وجهة نصل إليها و نتفيؤا ظلالها، حقيقة لم أدركها إلا بعد ركضي الطويل في سباق الحياة.

لم أتوقف عن تمرين جسدي على التوازن للتأكد من تقديم حصة توازن جماعية ناجحة، إلا أنني توقفت عن البحث عنه في حياتي و بدأت أدرّب نفسي على مهارة التكيّف مع الظروف والمعطيات الموجودة أمامي والرضا بالموجود، وتذكير نفسي بحقيقة نقصنا وعدم كمالنا مهما بذلنا في سبيل ذلك من جهود، كما أن تواصلي مع الناس على أرض الواقع كان بمثابة المنبه اليومي لهذه الحقيقة.

التوازن. الكلمة التي تصفها إليزابيث غلبرت بأنها خدعة. وأن الحياة فوضوية، سريعة، خارجة عن السيطرة ويصعب التنبؤ بها، وأن هذه الفوضى هي ما تجعل منها حياة وما تجعل منَّا بشر.

وفي اللحظة التي نتوقف فيها عن محاولة ترتيب كل شيء و طلب المزيد من أنفسنا وممن حولنا، ستخف آلامنا وربما نبدأ بمشاهدة الوحدة وهي تخفف وطأتها وتسمح لنا بتقبّل الفوضى التي نحن والآخرون عليها.

وبالحديث عن الوحدة فإن أكثر النعم التي استشعرها في حياتي و أتلمّس أثرها عليّ، هي حقيقة قضائي لساعات طويلة في النادي، وكيف مكّنتني من التواصل المباشر مع من حولي، تواصل جسدي، عاطفي، اجتماعي فعلي، بعيدًا عن شاشات الهواتف التي سرقت منَّا متعة التواجد في اللحظة الآنيّة. وجودنا مع الناس من حولنا يشفينا، ويخفف عنّا حِمل آلامنا، ربما لأن ثمة من نشاركها معه.

لطالما أذهلتني القوة التي تملكها مشاركة آلامنا على تعافينا.

تدخل إحدى المشتركات إلى النادي في كل مرة تكون لديها جلسة تدريب شخصي معي بمشية بطيئة وخطوة ثقيلة تكاد معها جرّ قدميها على الأرض. تشاركني أثناء الجلسة شعورها بالألم في حوضها الأيسر، كتفها الأيمن، الركبتين. استمر بالاستماع إليها في الوقت الذي تستمر هي بتنفيذ التمارين الرياضية التي أقوم بإعطائها إياها. يتخلل الجلسة النكتة والمزاح الخفيف، لأن شخصيتي المرحة لا تستطيع إلا إظهار نفسها ؛)
أعود لتقييم حالتها الجسدية في نهاية الجلسة بسؤالها عن نسبة الألم الذي تشعر به الآن، تجيبني بأن الألم خف كثيرًا عن بداية جلستنا معًا. تخرج من النادي بمشية أسرع وخطوة أكثر خفة، فأشعر بأن الهدف الأساسي من الجلسة قد تم تحقيقه بنجاح. هذا الشعور بوجود شخص ما يستمع إلينا و نشاركه آلامنا يؤتي أكله كل مرة، ودائمًا ما أشاهد أثره على مشتركاتي نهاية كل جلسة لنا سويًا، وبالطبع فإن للحركة وممارسة الرياضة دور كبير كذلك.

مين قال لازم أعجبك؟
بالأمس وأثناء تواجدي في النادي لفتني منظر إحدى المشتركات وهي تقوم بقلب الكفر/ الإطار المخصص للتمرين والذي يبلغ وزنه 60 كيلو غرامًا، من بداية العشر أمتار المكسوّة بالعشب وحتى نهايتها، تكرر ذلك لمرات كثيرة. تقوم بعدها بالوقوف في منتصفه، تحمله وتقطع به ذات المسافة لافتة بذلك أنظار عدد لا بأس به من مشتركات النادي. كانت النظرات تعبّر عن استنكار واستهجان لما تفعله، وأعتقد بأن سببها هو اجتماع أمرين ما يزال مجتمعنا النسائي غير قادر على استيعابها للأسف.
واحد: حملها لوزن عالِ وممارستها للرياضة بهذه الطريقة ” العنيفة”بحسب وجهة نظر الكثيرات.
اثنين: كون المشتركة من ذوات الأوزان الثقيلة.
كيف لمكان كالنادي أن يكون مكان آخر لممارسات الخزي من الجسم. بالتنمر والأذية النفسية والعاطفية لكل من لم تنطبق عليها معايير الجسم المثالي! هذا ما لا أستطيع استيعابه بشكل شبه يومي تقريبًا.
النادي. المكان الذي عليه أن يكون أكثر الأماكن دعمًا. البقعة التي عليها احتواءنا بكل اختلافاتنا الجسدية، الاجتماعية، العاطفية، النفسية على حد سواء. أزعجني الموقف كثيرًا ووجدت نفسي أقف لتشجيعها وسط كل النظرات الغريبة، لأن ثمة مسؤولية تقع على عاتق كل منّا كنساء تجاه بعضنا البعض، وهي كسر هذه الصور النمطية وإيقاف هذه الثقافة بكل ما استطعنا فعله من تشجيع، وتمكين لبعضنا.

مو لازم جسمي يعجبك، مو لازم طريقة تمريني تناسبك، مو لازم أتشكل حسب قوالب معينة لا تخدمني ولن تساعدني.
أكثر ما أحببته في الموقف هو إصرارها واستمرارها بالتمرين، وكأنها ترسل رسالة واضحة وصريحة للجميع: مين قال لازم أعجبك؟