كيف نتغير حينما يكون التغيير صعبًا – الجزء الأول: توجيه الراكب

أهلًا بالجميع،
مضى وقت طويل على المرة الأخيرة التي نشرت فيها هنا، في الحقيقة ثمة مسودة تجلس على رف من الأرفف أعود إليها كل فترة للتعديل مرة تلو أخرى دون الوصول إلى رضا نسبيٍّ عن المكتوب، فأقوم بإغلاق النافذة في النهاية وأعود للحياة الواقعية.

حتى وردبرس لاحظ :)


عادة ما أجيد كتابة المقدمات المناسبة للمواضيع التي أود الحديث عنها، إلا أن الأمر يأخذ مني اليوم وقتًا أطول من اللازم، ربما عليّ ترك المثالية المفرطة على الرف هذه المرة والبدء بالكتابة، الكتابة عن أكثر الأشياء التي أحبها. عملي.

يتطلب مني عملي مساعدة الآخرين على التغيير.



رُبط مفهوم التغيير بالاستحالة في أذهان الكثيرين، حتى أصبحنا نكرر جملًا كـ الناس ما تتغير، لا تفكر/ي إنه حيتغير/تتغير بعد ما تتزوجوا “) وغيرها من الجمل. ومن واقع عملي وتعاملي مع الناس لسنوات عديدة لا أظن بأن صعوبة التغيير تكمن في استحالته كما يعتقد الكثيرون، بل في طريقة تعاملنا معه.

كيف نتغير حينما يكون التغيير صعبًا؟
يتكوّن الدماغ من جزأين أحدهما عقلاني وهو المسؤول عن إتخاذ القرارات، التفكير المنطقي، التحليل. أما الجزء الآخر فهو ما يسمى بالجزء العاطفي الذي تحكمه العواطف وهي ما تحركه.

وحزروا مين اللي يفوز على الثاني في كل مرة نقرر فيها نبدأ دايت ونبطل نكثر من أكل الحلى في الويكند وقت جمعة العيلة؟ يس بالزبط الجزء العاطفي! دائمًا ما تغلب المشاعر المنطق.

في كتاب Switch للكاتبان دان وشيب هيث يستخدمان تشبيهًا ذكيًا -استعاراه من كتاب The Happiness hypothesis– للتعامل مع الدماغ حال رغبتنا في إحداث تغيير ما، أي تغيير، سواءً كان ذلك على الصعيد الشخصي، المهني، الاجتماعي… إلخ. يقول التشبيه بأن الجزء العاطفي من الدماغ هو الفيل، والعقلاني هو الراكب، أما الطريق نحو التغيير فهو البيئة التي تتكوّن من عاداتنا، المحفزات، المواقف اليومية التي نواجهها.

الرسمة للمبدعة سُلاف. رابط حسابها على انستقرام آخر التدوينة.

يجلس الراكب على الفيل ممسكًا بزمام الأمور موجهًا للفيل نحو التغيير الذي نرغب بالوصول إليه. ماذا لو كان الفيل يود تناول قطعة الحلى اللذيذة تلك والراكب يريد إثناءه عن ذلك وتحريكه في الاتجاه الصحيح، من صاحب اليد العُليا والأكثر قوة في هذا الموقف؟ الفيل بالطبع!
لهذا السبب، لا أحب الاكتفاء، حال الحديث عن التغيير، بالإرادة والهمة وما يشابههما من المفاهيم التي تضع مسؤولية التغيير كاملةً على عاتق الراكب، متناسيةً تمامًا فيلًا يبلغ وزنه قرابة الستة أطنان؛ لأنه في كل مرة يحدث فيها صدام ما بين رغبات الفيل والراكب، سيفوز الفيل الأكبر حجمًا والأقوى في النزال.

جميعنا سبق وأن عاش هذه الصدامات في حياته، يحدث ذلك عندما نقرر بدء حمية غذائية جديدة، الالتزام بالذهاب إلى النادي، تعلّم لغة جديدة وغيرها من التغييرات.

يقول الكاتبان بأن نقطة ضعف الفيل والتي تهزم الراكب كل مرة أنه كسول، يفكر في المتعة اللحظية كتناول مغرفة من الآيس كريم على سبيل المثال، ضاربًا بهدف خسارة الوزن عرض الحائط، وبالعامية ما يشوف أبعد من طرف خرطومه. ما يجعل إبقاء الراكب للفيل على الطريق الصحيح مدة كافية مهمة مستحيلة. لا يعني ذلك أن الفيل هو المُعيق الوحيد في رحلتنا نحو التغيير فلكل منهما نقاط قوته وضعفه. وحتى يحدث التغيير فعلًا علينا تعلّم كيفية توجيه الراكب، تحفيز الفيل ليتحرك دون مقاومة، تعبيد الطريق لتسهيل الحركة على الراكب والفيل.

الخطوة الأولى: توجيه الراكب
يتمتع الراكب ( الجزء المنطقي من الدماغ ) بالعديد من نقاط القوة كالنظرة المستقبلية الثاقبة، والقدرة على التفكير والتخطيط الجاد. إلا أن ميله الرهيب للدوران في حلقات مفرغة يضعفه ويشل حركته، فتجده يتأمل ويحلل ويجتر الأفكار ويركز على المشكلة بدلًا من التركيز على ما يستطيع فعله وما يسير بشكل جيد الآن.

في الكتاب يحدد الكاتبان ثلاث خطوات لتوجيه الراكب بسهولة وهي:

١. التركيز على الجوانب المشرقة
المقصود هنا هي الأشياء التي تسير بشكل جيد في اللحظة الحالية والتركيز عليها مع فعل المزيد منها. يذكر الكتاب قصة بوبي الطفل الذي يدرس في إحدى المدارس الأميركية في الصفوف الأولية. يشتكي جميع المعلّمين في المدرسة من شخصيته ومزاجه السيء، وطريقة تعامله معهم ومع زملاءه في الصف. يعيش بوبي ظروف صعبة للغاية في منزله، ويعاني من صعوبات في التعلم، بالإضافة إلى شخصيته الإندفاعية العنيفة. وكمحاولة لحل المشكلة يُحيل مدير المدرسة بوبي لجلسات استشارية مع ميرفي الأخصائي النفسي الجديد الذي تم توظيفه للتو في المدرسة. يبدأ ميرفي من خلال الجلسات البحث عن الأشياء الجيدة التي تحصل مع بوبي الآن، ليجد بأن بوبي يتصرف بطريقة مهذبة إلى حد مذهل خلال صفوف إحدى المعلمات لأنها تُلقي عليه التحية في كل مرة يدخل إلى صفها. يجتمع ميرفي مع المعلّمين ويوجههم لإلقاء التحية على بوبي بداية كل صف وسؤاله عن حاله، ومع إحداث هذا التغيير البسيط تتغير شخصية بوبي تمامًا ويبدأ بالالتزام بحل واجباته والتصرف بلطف مع زملاءه ومعلّميه في المدرسة.

تكمن مشكلة الراكب الدائمة في بحثه عن حلول تتناسب مع حجم المشكلة الحالية، إذا كانت المشكلة صعبة ومعقدة فلابد وأن يكون الحل كذلك. أي شخص ستُناط به مسؤولية إيجاد حل لمشكلة بوبي، الطفل الذي يعاني من مشاكل أسرية، وصعوبات تعلّم، وشخصية إندفاعية سيفكر غالبًا بطريقة منطقية ويحاول إيجاد حل معقد يتناسب مع تعقيد المشكلة، قليلون هم من سيطرحون سؤالًا ذكيًا من قبيل ما الذي يحدث مع بوبي بشكل جيد الآن؟
عقلية البحث عن المشكلة والانحياز للتركيز على الأشياء السلبية واحدة من نقاط ضعف الراكب والتي تحدّث عنها علماء النفس كثيرًا. طرحنا لسؤال، ما الذي نفعله بشكل جيد الآن وكيف نستطيع فعل المزيد منه هو جوهر البحث عن الجوانب المشرقة.
في عملي، أحاول تسليط الضوء على الأشياء الجيدة التي تقوم المتدربة بفعلها في حياتها حاليًا بطرحي لمثل هذا السؤال، ثمة من تجيد تناول السلطة بشكل يومي، وأخرى تحافظ على ترطيب جسمها بشرب الماء بكميات كافية، وثالثة تلتزم بالمشي والنشاط البدني بشكل يومي وغيرها من الأشياء التي أبحث عنها لدى كل واحدة وأقوم بحثّها على فعل المزيد منها. التركيز على الحل بدلًا من المشكلة يعطي الأمل بإمكانية التغيير. وشعور الأمل سيساعد على تحريك الفيل، ذلك أن المشاعر هي محرّك الفيل الأساسي. حتى في أصعب المواقف والظروف ثمة أشياء جيدة نستطيع تسليط الضوء عليها والاستمرار بفعلها.

ما الأشياء التي تقومون بفعلها بشكل جيد حاليًا وستساعدكم في الوصول لأهدافكم؟
لاحظوها وافعلوا المزيد منها!

٢. تحديد الخطوة التالية بوضوح
في إحدى متاجر المأكولات قامت الإدارة بتقديم عينات من برطمانات المربى المجانية للتذوق. عرضوا في يوم من الأيام ست عينات مختلفة من البرطمانات على الطاولة، وفي يوم آخر قاموا بعرض ست وعشرين عينة مختلفة، وكما هو متوقع جذب العدد الأكبر من البرطمانات عدد أعلى من المتسوقين للتوقف والتذوق، ولكن عندما حان وقت الشراء لم يتمكن المتسوقون الذين تعرّضوا للعينات الست والعشرين من اتخاذ قرار الشراء الفعلي. المتسوقون الذين شاهدوا ستة أنواع من المربى فقط كانت احتمالية شراءهم لها أعلى بعشر مرات!
يحدث للراكب في مثل هذه الحالات التي يشعر فيها بأنه مغمور بالكثير من الخيارات حالة تسمى شلل اتخاذ القرار. حتى وإن كانت تلك الخيارات جيدة، يقول دان وشيب هيث في الكتاب بأن القرارات هي حلبة الصراع للراكب، كلما كانت الخيارات أكثر كلما أصبحت عملية اتخاذ القرار مُرهقة وصعبة. عندما نقرر بدء حمية غذائية جديدة أو حتى ممارسة الرياضة كم هي عدد الخيارات التي أمامنا لنقرر من بينها؟ كم عدد الأيام التي علينا ممارسة الرياضة فيها؟ ما نوع الرياضة؟ كيف؟ أين؟ ما نوع الأطعمة التي علينا تناولها؟ هل ثمة حمية غذائية أفضل من غيرها؟
يجلب التغيير خيارات جديدة، ومعها يأتي الغموض المُرهق للراكب الذي عليه قيادة الفيل نحو الطريق الجديد غير الواضح. وهنا يحدث صدامًا آخر بين الراكب والفيل القَلِق من الطريق الجديد. لا يحتاج أحد منا تذكير بضرورة الأكل الصحي ومدى أهميته لأجسادنا وأذهاننا. الراكب يعرف ذلك وكذلك الفيل. لكن كيف بإمكانهم اتخاذ القرار المناسب ضمن عدد مهول من الخيارات المتاحة؟
لكي يحدث التغيير فعلًا علينا تحديد الخطوات التي سنتبعها بشكل واضح، علينا التفكير في عادات بعينها سنبدأ بممارستها لتبنّي التغيير الجديد. من تلك العادات على سبيل المثال وعلى مستوى الصحة والرياضة، تناول منتجات الألبان منزوعة الدسم، البدء بالمشي مدة خمس وأربعين دقيقة يوميًا، تصغير الطبق الذي نتناول وجباتنا فيه، التخلص من كل الوجبات الخفيفة غير الصحية الموجودة في خزانة الطعام وغيرها من الأمثلة الكثيرة. هل لاحظتم بأن قائمة العادات تلك قد تطول؟ لذلك يجب علينا تحديد وكتابة عادات واضحة ومعينة حتى يسهل على الراكب قيادة الفيل في الطريق. كثرة الخيارات تجلب الغموض الذي يقتل التغيير ويزيد من مقاومة الفيل، أما الوضوح فيخفف من تلك المقاومة ويسهّل على الراكب قيادته في الطريق.

وحتى نتمكن من الاستمرار على تلك العادات أن تكون سهلة بالإضافة لوضوحها.
فكروا في عادة واحدة سهلة وواضحة على الأقل وانطلقوا من عندها.


٣. الإشارة إلى الوجهة بطريقة جذّابة
إلى أين سنذهب، ما هي الوجهة؟ يصبح التغيير أسهل عندما نعلم أين سنذهب على وجه التحديد. كتابة ما سماه الكاتبان هيث ” بطاقة الوجهة البريدية” والتي تصف الوجهة النهائية باستخدام الخيال والمشاعر هي إحدى الطرق الذكية لإضافة عنصرِ عاطفي للهدف الذي نرغب بتحقيقه، فالهدف دون ملامسة المشاعر لن يتمكن من تحفيز الفيل بالشكل الكافي. هذه البطاقة تؤدي مهمتين أساسيتين:
– تحدد للراكب إلى أين سيذهب.
– تُظهر للفيل لماذا تستحق الرحلة هذا العناء.

في أغلب حالات التغيير يبرع الراكب في تحليل المواقف وتقديم الأسباب والخطط والجداول التي تثبت ضرورة التغيير. بالنسبة للراكب مرحلة التحليل تلك أكثر إغراءً من مرحلة التنفيذ. عندما نصف الوجهة النهائية فنحن نمنع الراكب من الوقوع في أحد أكبر نقاط ضعفه وهي ميله للانغماس في التحليل. كتابة بطاقة الوجهة تلك ستوجّه طاقة الراكب إلى أحد أهم نقاط قوته وهي اكتشاف كيفية الوصول إلى هناك بدلًا من التحليل والتخطيط دون خطوات حقيقية تجاه الهدف.

كتابة البطاقة وحدها دون ربطها بسلوك واضح ومحدد لا يكفي، وهنا نعود للخطوة الثانية من خطوات توجيه الراكب وهي تحديد الخطوة التالية بوضوح، لإنه متى ما رغب الفيل بشيء ما فإن الراكب سيوّسغ كل فعل يقوم به لإشباع رغبة الفيل، ما الحيلة التي يملكها الراكب أمامه؟
هدف من قبيل ( سأتبع نظامًا صحيًا ) يكتنفه الكثير من الغموض، هذا الغموض مُقلق للفيل ومشتت للراكب، أما تحديد خطوة واضحة لتبنّي حياة أكثر صحة كممارسة الرياضة مدة ثلاثة أيام في الأسبوع يزيل الغموض ويُسهل الطريق.

يستحيل علينا التخطيط لكامل الرحلة خطوة بخطوة فنحن لن نستطيع توقّع كل منعطف في طريقنا بين اليوم والوجهة. يقول الأخوان هيث: عندما تكون في بداية الطريق لا تكثر التفكير بالمنتصف، لأن المنتصف سيبدو مختلفًا بمجرد وصولك إليه. ابحث فقط عن بداية قوية ونهاية قوية وابدأ في التحرك.


مُلخص

١. التركيز على الجوانب المشرقة
ركّز على الأمور التي تجيدها بالفعل لأنها ستجعلك تشعر بالتحسن، وكأنك قطعت شوطًا في طريقك نحو الهدف. من قبيل:
– أنام ساعات كافية كل ليلة.
– أشرب لترين من الماء بشكل يومي.
– أتناول حصتين من الخضار يوميًا.
– في كل مرة نذهب فيها لتناول الطعام في الخارج أبحث عن الخيارات الصحية.
– أذهب للمشي مدة نصف ساعة ثلاثة أيام في الأسبوع.

اكتب قائمة بالأشياء الجيدة، وإن كانت تلك القائمة لا تحتوي إلا على شيء واحد وقم بفعل المزيد منه. لا تركّز على الإخفاقات والمشاكل، بل ركّز على نجاحاتك وعززها!


٢. تحديد الخطوة التالية بوضوح
قم بتحديد أهداف صغيرة تعينك للوصول إلى هدفك الأكبر، أمثلة على ذلك:
– الذهاب إلى النادي يومين في الأسبوع.
– تناول حصة بروتين واحدة في كل وجبة.
– المشي مدة نصف ساعة في اليوم.
– تجربة وصفة صحية لذيذة وإضافتها إلى قائمة وجباتي الصحية.
– النوم مدة سبع ساعات أربعة أيام في الأسبوع على الأقل.

اختر هدفًا صغيرًا واحدًا في البداية والتزم بممارسته مدة أسبوعان متتاليان قبل الالتزام بهدف آخر، حتى لا تشتت الراكب وتُثقل الفيل!

٣. الإشارة إلى الوجهة بطريقة جذّابة
اجعل هدفك واضحًا وملهمًا باستخدامك للصور والخيال عند كتابتك لبطاقة الوجهة البريدية.
– كأن تتخيل نفسك أكثر قدرة على اللعب مع أطفالك وأحفادك.
– تستطيع صعود الدرج ونزوله بدون ألم في الركبتين أو انقطاع في النفس.
– ترتدي ملابس تحبها لم تستطع ارتدائها لسنوات عديدة بسبب الوزن الزائد.
– العودة لممارسة رياضة التنس، البادل، الجري أو أي رياضة أخرى تحبها.

تخيّل أكثر الأشياء التي تحبها وتود الوصول إليها ووجّه الراكب نحوها بكتابتك لخطوة واضحة تساعد على تنفيذها، وهنا ستجمع ما بين الشعور الذي يلهمه خيالك والخطوة التي ستأخذها للوصول إلى هدفك.

في التدوينة القادمة سأكتب عن الطريقة التي يتصرف بها الفيل حيال التغيير، وكيف بإمكاننا التعامل معه بالطريقة المناسبة.

شكرًا لقراءتكم الكريمة.
كالعادة شاركوني تجاربكم وتعليقاتكم هُنا، على سناب شات، أو حتى في النادي.

يمكنكم زيارة حساب سُلاف الرهيبة من هُنا.

التعليقات

اترك تعليقًا